
كتاب «الجامع بين العلم والعمل النافع»
بقلم: مصطفى قنديل / نائب رئيس تحرير جريدة عربية: هو في الحقيقة كتاب لم أكن قد سمعت به من قبل للعلامة بديع الزمان أبو العز بن إسماعيل بن الرزاز الجزري الذي عاش في الفترة بين 1136 و ١٢.٦ميلادية. وأري هذا الكتاب وكأنه أعجوبة هندسية في زمانها فقد كتبه في عام 1201ميلادية !! في وقت كانت فيه كل ملوك أوروبا لا يعلمون القراءة والكتابة ..غارقين بين الجهل والامية .. متخلفين في كل شيئ. يعتبرهذا الكتاب من أهم الأعمال في مجال الهندسة الميكانيكية في العصور الوسطى حيث قدم فيه الجزري وصفًا تفصيليًا لتصميم وتنفيذ العديد من الآلات والمعدات الميكانيكية المبتكرة مثل الساعات المائية والآلات ذات التروس والتي كانت تستخدم في مجموعة متنوعة من التطبيقات، بما في ذلك قياس الوقت وتوزيع المياه. وكذلك ينسب إلى الجزري تصميم بعض من أوائل الروبوتات القابلة للبرمجة! حيث صمم مجموعة من الروبوتات على شكل خدم يقدمون الطعام والمشروبات! وكان يمكن برمجتهم لأداء مهام محددة. أما عن تقنيات رفع المياه فقد ابتكر الجزري أيضًا العديد من الآلات التي تستخدم لرفع المياه مثل السواقي والتي كانت تستخدم في الري وتوفير المياه للمدن. وكذلك ساهم الجزري في تطوير التروس والميكانيكا حيث قدم تصاميم مبتكرة للعديد من لآلات التي تستخدم التروس في عملها. إن تأثير الجزري في الهندسة الميكانيكية والتصميم يمتد ليشمل العديد من المجالات وقد ألهمت أعماله العديد من العلماء والمهندسين في العصور اللاحقة. يهدف كتاب الجامع بين العلم والعمل النافع إلى ترسيخ المنهج الإسلامي المتوازن الذي لا يكتفي بالعلم النظري المجرد، ولا يرضى بالعمل المنفصل عن الهدي الصحيح، بل يجمع بين صحة الفهم، وإخلاص القصد، وحسن التطبيق. ويركز الكتاب على أن العلم الشرعي وسيلة للهداية والإصلاح، وأن العمل هو الثمرة الحقيقية لهذا العلم، وأن الانفصال بينهما سبب للانحراف والضعف في الدين والدنيا. حقا إن مفهوم العلم النافع هو العلم الذي يُقصد به وجه الله تعالى، ويوافق الكتاب والسنة، ويثمر خشية في القلب، واستقامة في السلوك. هناك فرق بين

الآن نسأل.. سيناء و»الجمهورية»؟
كتب د.هشام الحمامي تعيش المنطقة العربية الآن وقتا بالغ الحساسية والخطورة، وهو الوقت الذي جاء، وجاءت معه أسئلة كثيرة وكبيرة، ستصول وتجول في التاريخ بماضيه وحاضره ومستقبله طولا وعرضا، وستنهض منها أسئلة أكثر وأكثر، ستزيدها غموضا، وستزيده انكشافا في الوقت نفسه! الغموض لن يكون لغزا ولا سرا، لكن سيصاحبه صمت رهيب، الانكشاف لن يكون فضحا ولا تجريحا، لكن سيصاحبه وضوح خطير. سنمر هنا بالوقع الهادئ للضمير العطوف المحب على “المقولة الذهبية” للعلامة جمال حمدان، صاحبة الألف مغزى ومغزى، عن الإنسان والحياة: “الإنسان يجب أن يذكر عيوبه، لا لينسحق بها، ولكن ليسحقها، ولا ليسيء إلى نفسه، ولكن ليطهرها”.. * * * واستلهاما لتلك المقولة الذهبية، أتمنى من الأستاذ حمدين صباحي (73 سنة) أن يوسع دائرة مقولاته واعتذاراته الأخيرة، ويعمقها ويدفع بها، لتستقر في مداها الطبيعي، ومصبها الحقيقي والنهائي، فلا يبقيها في ممارساته الشخصية كسياسي صاحب طموح ذاتي ومشروع وطني، فهذا شيء محدود للغاية، ولا يمثل شيئا في حاضر يبحث عن مستقبل، لا يعرفه ولا يرى دلائله. وتمنيت لو أن تلك المقولات والاعتذارات امتدت لكل الحالة التي انبعث منها حضوره السياسي والفكري، حالة الخمسينيات والستينيات (الجمهورية الأولى). * * * الحديث الأخير للرئيس الأمريكي عن تهجير أهل غزة إلى الأردن ومصر، سيجعلنا نتحير كثيرا في مغزاه ومراده، وستكون أكثر وجوه الحيرة فيه هو “التوقيت”، ذلك أن أهل غزة قالوا للدنيا كلها قاصيها ودانيها: إننا هنا، نصنع تاريخنا بأيادينا وعزائمنا، نحن الآن حاضر تاريخي جديد، يحمل في يد “القدرة” وفي الأخرى “الإرادة”، ومن يمتلك الاثنين يمتلك مصيره حالة المد القومي والناصري التي سيطرت على الواقع التاريخي المعاصر للشعب العربي كله، وليس في مصر فقط، ووجدت من تبنّاها لاحقا، كمشروع فكري متكامل يصلح لصناعة “الإنسان والتاريخ” في كل وقت!! ومتى؟ بعد أن استنفد هذا المشروع كل مخزونه وما يملكه من تصورات ومفاهيم، انتهت إلى صفر كبير للغاية، وبعد أن أخذ أفضل فرصة، في أفضل وقت، وفي أفضل بلد (استراتيجيا وتاريخيا). وللموضوع تفاصيل مهمة للغاية،

وأخيرا.. «الطوفان» وقوة الفعل التاريخي
كتب د.هشام الحمامي من أكثر من مائة سنة، وتحديدا من بدء الحرب العالمية الأولى 1914م، وهناك صراع ميداني كبير قائم على أرض الواقع بيننا وبين الغرب، يمثل الغرب فيه الطرف الأقوى عسكريا وعلميا، وهو صراع اكتسب موضوعه أولا وثانيا وثالثا من التاريخ؛ تاريخ خروج هذا الغرب من مصر والشام (634م)، وتاريخ الحروب الصليبية (1095م)، وتاريخ الدولة العثمانية (1453م) بكل ما مثلته من قوة وعنفوان وجبروت تجاه شرق أوروبا، وتاريخ دولة الأندلس (1492م) في غرب أوروبا. الصراع كان فيه بُعد هام ومؤثر يتصل بالمجال الفكري (الإنسان والكون)، وهو المجال الدائم التي تُبتعث منه حركة التاريخ في كل وقت. وسوف يمتلك الشرق رؤية شاملة وصلبة وموضوعية وواضحة عن ذلك، مصدرها “الوحي الإلهي”، ولسوف تزداد صلابة وقوة كل يوم، بإزاء الإنسان، في تكوينه العقلي والروحي والجماعي، في حين أن الغرب، وعلى لسان الكثير من فلاسفته ومفكريه، قد أعلن انتهاء الفكر الديني، وحضوره في المجال العام! * * * رأينا “الحركات الإصلاحية” تخوض معاركها الكبرى على طول وعرض عالم الإسلام، إصلاحا للإنسان في الواقع الصعب، ثم تطور الى جهاد للمحتل الأجنبي، وستكون هذه الحركات عبر كل مراحل التاريخ هي الأب الشرعي لكل حركات النهوض، ولكل حركات المقاومة بلا منازع وذلك ليس فقط بسبب هذا الصراع الطويل القاسي البليد الذي احتدم طويلا مع الكنيسة عندهم من القرن السادس عشر، وليس فقط للثورة الصناعية التي اكتسحت أوروبا من قلب إنجلترا، وليس فقط للاكتشافات البحرية وبداية عهد الاستعمار واحتلال أوطان الغير ونهبها بدعوى “عبء الرجل الأبيض”، ولكن لكل ذلك أجمعه. ويضاف إليه ظهور اتجاه سياسي اجتماعي ليبرالي واسع رافضا للدين بشدة، متشككا في مصداقيته كما سبق، موهوما بالاكتشافات العلمية الحديثة: كما قال لنا د. برهان غليون (79 عاما) أستاذ علم الاجتماع السياسي في السوربون، في كتابه “اغتيال العقل”، أن هذه الاكتشافات أثرت على نظرة الإنسان لبدايات وجوده على الأرض! واحتل مفهوم الصراع من أجل البقاء، والحياة للأصلح، محل مفاهيم الرحمة والحب، التي كان يقوم عليها المجتمع الإنساني.

سوريا الجديدة.. لا خوف منها ولا خوف عليها
كتب د.هشام الحمامي توقع كثير من العقلاء أن يكون التعاطف والتقارب مع سوريا الجديدة، شعورا إنسانيا طبيعيا يفوق أي شعور آخر، والفطرة أهدى من العقل كما يقولون، ليس فقط لأن خمسين عاما من القهر والاستبداد التام والظلم الطائفي بالغ القسوة والوضوح كفيلة باستدعاء هذا التعاطف، ولكن وهو الأهم لأن الميراث الثقيل الرذيل الذي تركه هذا النظام، أشبه ما يكون بصخرة ضخمة فوق صدر هذا الشعب والحكومة القائمة، التي جاء بها التاريخ.. التاريخ الذي يحابي من يعرفه ويفهمه، ويجافي من يجهله وينكره. لكن الموقف (إقليميا ودوليا) كان على غير المرجو والمأمول للأسف، والذي تبدّى أكثره في درجات متباينة من الخوف والترقب والحذر، وبلغ عند البعض إلى حد “الاستعداء” غير الضروري وغير المبرر وغير المفهوم في الحقيقة. * * * الموقف (إقليميا ودوليا) كان على غير المرجو والمأمول للأسف، والذي تبدّى أكثره في درجات متباينة من الخوف والترقب والحذر، وبلغ عند البعض إلى حد “الاستعداء” غير الضروري وغير المبرر وغير المفهوم في الحقيقة الحالة العربية إقليميا سارعت فورا إلى الماضي التقليدي، وأرادت أن توقف عجلة التاريخ عن الحركة، وفورا تم استدعاء “العنوان الجاهز” الذي عمل “الاستشراق الغربي” طويلا على تصنيعه وتحضيره للنيل من “الفكرة الدينية” التي أقامت الشرق وحضارته وتاريخه، ما دعي المفكر الفرنسي ميشيل فوكو (ت: 1984م) ليقول إن “الإسلام ليس مجرد دين، بل هو أسلوب حياة متكامل، وولاء لتاريخ وحضارة كبيرة” كما جاء في كتاب “فوكو في إيران” الذي صدر في عام 2021م للمؤرخ الإيراني “بيروز تبريزي” وترجمه “أ. على بدر” و”أ. فرح شرف”. وهو ما جعلهم يقولون في الغرب أن “فوكو ببساطة حاول أن يرى، ما أفلت من رؤانا الثقافية”.. هذا في أحسن الظنون بهم! وميشيل فوكو هو من نحت للمثقفين العرب هذا التوصيف اللئيم “الإسلام السياسي”! بعد حديثه الطويل عما سماه “الروحانية السياسية”. الحاصل أن انشغال الغرب بالإسلام سيمتد ويتسع ويملأ الدنيا عندهم ويشغلها، ليظهر لنا أحد أهم مستويات انشغال العقل الغربي في كل وقت ومكان، ولأسباب متنوعة،

سوريا والغرب ونظرية «المُدان تحت الطلب»!
كتب د.هشام الحمامي يقولون إن بعض الحقائق تكون زائفة، بقدر ما تدعى واقعيتها، وهذا واضح ومفهوم فيما نراه الآن في تعامل الغرب مع سوريا الجديدة، و”الحقيقة” التي يدعيها الغرب ويجاهر بالحديث عنها في تعامله، بعد نصف قرن وأكثر من الانتهاك المنظم والممنهج والمسموع والمرئي لكل حقوق البشر: صغارا وكبارا نساء ورجالا، مؤمنين وغير مؤمنين. هذه الحقيقة تبدو زائفة تماما، بقدر ما يكذبون ويدعون أنها واقعية.. ففي كل وقت يثبت لنا الغرب أن لديه عقدة معقودة بأواصر مغلقة مع الإسلام. البعض يقول إن عقدة هذا الصراع ليست مع الإسلام ذاته، ولكن مع “فكر النهضة” الذي تحمله تيارات النهضة والإصلاح، في حركة المجتمعات بالإسلام. * * * أيا ما كان الأمر، فالموضع “كلٌ.. لا يتجزأ”، ففكر النهضة يحمله إنسان النهضة، وإنسان النهضة تكونت أفكاره وتصوراته، عن نفسه وعن الوجود من حوله عبر الإسلام. فإما أن يكون هذا الإنسان بلا أفكار، ولا تصورات، ينطلق منها في خطواته نحو النهضة والإصلاح، وعليه أن يستعير أفكار الآخرين، أو أن تلك الأفكار تتعارض مع رؤية الغرب لنفسه، ولنا في الشرق.. وهنا سيكون المحك. ها هو الغرب الآن ينظر إلى سوريا بنفس النظرة المتهافتة، الضيقة، المضحكة في الحقيقة.. وسنرى أن كل ما يصدر عنهم في الغرب (إعلام وديبلوماسية، كطلائع أولى!!) تجاه التشكل الجديد الذي يحدث الآن، في أهم ضلع من ضلوع رباعية الشام (سوريا لبنان الأردن فلسطين).. يتراوح ما بين الحيرة والاضطراب واللؤم الخبيث هذا هو الواقع الذي يثبته الغرب كل يوم، من يوم أن عرّف نفسه كمركز للوجود، وعرّف الآخر من خلال نفسه (نحن وغيرنا)، لا من خلال ذات الآخر، ووجوده الذي يمثله، بتاريخه وحضارته الممتدة، والأهم: المغايرة لأفكار الغرب. * * * الراحل الكبير د. إدوارد سعيد (ت: 2003م) أغنانا رحمه الله، بما قدمه لنا عبر عمره كله، من دراسة وبحث وجهد، وأثبت أن فكرة “الاستشراق” كلها قائمة على تصور استعماري رأسمالي إمبريالي قُح، ليتكون لديهم كمفكرين وساسة، صورة عن الشرق الذي يريدونه! لا كما

الطريق الطويل.. موقظ الشرق وموقظ المشارق
كتب د.هشام الحمامي أحتفظ السيد جمال الدين الأفغاني رحمه الله بلقب “موقظ الشرق” ولا يزال، وهو اللقب الذي أطلقه عليه سعد باشا زغلول (ت: 1927م)، زعيم الأمة المصرية بلا منازع في كل العصر الحديث، فلم تر الأمة بعد سعد زعيما له كل هذا التأثير الفكري والسياسي، وهو في السلطة وهو خارج السلطة، كانت زعامة طوعيه في حقيقة الأمر، بلا إعلام ولا أغاني، والأهم بلا أجهزة أمن تلاحق الناس من أجل أفكارهم وآرائهم.. والرجل من نزاهة وجدانه ووعيه وضميره، قام خطيبا في أحد المؤتمرات وقال متأثرا بحفاوة الاستقبال: إننا في هذه اللحظة يجب أن نتذكر الرجل الذي أيقظ الشرق من سباته، السيد جمال الدين الأفغاني. وأكمل قائلا: هو بحق “موقظ الشرق”.. د. محمد عمارة (ت: 2020م) رحمه الله تلقف الوصف وكتب كتابا عن الأفغاني بنفس الاسم، “الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام” الذي أصدرته دار الشروق. * * * الله قدر أن يخرج من مدرسة الأفغاني، وعبر طريقها الطويل من تكون له الصيحة الهادرة التي ستُسمع المشرق، وكل المشارق في كوكب الأرض.. إنه “طوفان الأقصى” كان الأفغاني (ت: 1897م) صاحب سيرة عاصفة، في طوافه وتطوافه بين المجتمعات والبلدان في المشرق العربي والإسلامي، ثائرا ومفكرا وحركيا كبيرا، يعرف العمل الميداني ودروبه المتداخلة، وأيضا كما قال عنه صاحبه الأقرب الشيخ محمد عبده (ت: 1905م) رحمه الله: كان يتمتع بأقصى ما قُدّر للبشر غير الأنبياء من قوة الذهن، وسعة العقل، ونفاذ البصيرة هذا فضلا عن شخصيته ذاتها.. وسيكون مهمّا أن نتذكر الآن حياته وطريقه في هذه الحياة، وهو الذي خرج من رحم مرحله تاريخية ضخمة تميزت بازدهار إمبراطوريات واضمحلال إمبراطوريات، وكان همّه الأكبر هو مكان أمته بين هذه الإمبراطوريات، وعاش عمره كله وهو يدور في هذه الدائرة مفكرا ومصلحا وخطيبا وكاتبا وفيلسوفا.. وكما وصفه الأستاذ العقاد (ت: 1964م): كان شخصية تهيّأت لرسالتها، قال وعلم وتكلم وسط تلاميذه ومحبيه وحرك فكر الكثيرين.. ثم رحل. * * * ومهما يكن من أثره الكبير في ربوع عالم الإسلام