حين تتحول الضربة من قرار عسكري إلى معضلة وجود

بقلم: رئيس التحرير

‏ما نراه الآن ليس تصعيدا عسكرياً تقليدياً ولا سباقًا نحو الحرب كما يظن السطحيون بل وصول الجميع إلى حافة القرار… دون امتلاك القدرة على القفز..
أمريكا اليوم ليست في لحظة قوة مطلقة..بل في لحظة اختبار هيبة
‏البيت الأبيض يملك أدوات الضرب..لكنه لا يملك ضمانات ما بعدها..
‏وهنا تكمن المفارقة الأخطر:
‏كلما اقتربت واشنطن من الضربة..كلما اكتشفت أن الضربة نفسها لم تعد حلاً..
‏ماذا تغيّر في المشهد فعلًا؟؟
‏إيران لم تعد تخشى “الضربة المحدودة”
وأمريكا لا تملك “الضربة القاتلة”
وإسرائيل تدرك أن أي حرب مفتوحة = استنزاف وجودي..
والخليج يعرف أن أي خطأ = فاتورة لا تُحتمل
‏والنتيجة الجميع مسلح… والجميع مقيّد
العقدة الحقيقية (التي لا تُقال علنًا)..
‏المشكلة لم تعد: هل تضرب أمريكا إيران؟
‏بل أصبحت: هل تستطيع أمريكا تحمّل عالم ما بعد الضربة؟

لأن:
‏• إسقاط النظام الإيراني = فوضى إقليمية + لاجئون + تفكك دولة نووية محتملة.
‏• عدم إسقاطه = رد إيراني شرس بلا خطوط حمراء.
‏• ضربة رمزية = اهتزاز الردع الأمريكي
‏• عدم الضربة = اهتزاز الهيبة الأمريكية..
كل الطرق تؤدي إلى كلفة… لا إلى نصر
إيران بدورها في مأزق أخطر

‏إيران اليوم:
‏•لا تملك اقتصادًا يسمح لها بالصبر.
‏•ولا نظاماً يملك خليفة واضحاً.
‏•ولا شارعًا يمكن احتواؤه بالوعود.
‏•ولا حربا تستطيع خوضها ثم الخروج منها سليمة.
لكنها تملك شيئًا واحدًا فقط:القدرة على التخريب الإقليمي..وهذه قدرة كافية لردع الخصم… لا لبناء مستقبل.
لماذا هذه اللحظة مختلفة عن كل ما سبق؟
‏لأنها ليست لحظة إطلاق نار… بل لحظة فقدان خيارات.
‏أمريكا لا تستطيع التراجع كثيرًا..ولا تستطيع التقدم خطوة واحدة مطمئنة
‏وإيران لا تستطيع التهدئة..ولا تستطيع إشعال الحرب دون الانتحار..

‏لهذا نرى:
‏• تحريك قوات بلا استخدام.
‏• تصريحات نارية يعقبها تراجع.
‏• أجواء مغلقة دون صواريخ.
‏• أعصاب مشدودة أكثر من الزناد.
الخلاصة التي يجب أن تُقرأ ببرود.
نحن لا نعيش “بداية حرب كبرى” ولا “نهاية تصعيد”.
‏نحن نعيش أخطر مرحلة في الصراعات الحديثة:
‏مرحلة الشلل الاستراتيجي.
‏حيث القوة موجودة… لكن القرار مفقود.
‏ومن يظن أن هذه المرحلة آمنة..لا يفهم أن الانفجارات الكبرى غالبًا تبدأ من لحظات التردد الطويلة.
‏ما يحدث الآن ليس اختبار سلاح…بل اختبار أعصاب… وقراءة… وحساب أخطاء.
‏ومن يخطئ الحساب هذه المرة..لن تُتاح له فرصة اخرى.

فرنسيس.. بابا الأخوّة الإنسانية

فرنسيس.. بابا الأخوّة الإنسانية
لم يكن البابا فرنسيس كغيره من البابوات الذين تربّعوا على كرسي المؤسِّس القدّيس بطرس (صخرة المسيحية كما وصفه السيّد المسيح نفسه). فقد ارتفع ببابويته إلى المرجعية الإنسانية الشاملة، وجسّد عملياً وواقعياً المبدأ الذي يقول: «ليس الإنسان لخدمة الدين، ولكن الدين لخدمة الإنسان».لقد سما بمسيحيته وبمرجعيته المسيحية إلى المرجعية الإنسانية السمحاء من خلال وثيقة الأخوّة الإنسانية التي أصدرها من أبوظبي مع سماحة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيّب. كثيراً ما استُخدم الدين في الاختلافات والصراعات وحتى في الحروب.
ولكن القيم الإنسانية الرفيعة التي نادى بها البابا والإمام من منبر أبوظبي، يوم 4 فبراير2019، وبحضور ممثلين عن كل الأديان والعقائد الإيمانية العديدة الأخرى (84 بالمائة من البشر يؤمنون بعقيدة دينية) سمت بالمفهوم الديني، وبدور الدين في العلاقات الإنسانية، إلى مستويات غير مسبوقة في سلّم القيم النبيلة والعقائد السامية.
لقد تناولت وثيقة الأخوّة الإنسانية دور الدين -أي دور الإيمان بالله الواحد- في رعاية حقوق الإنسان في الكرامة (ولقد كرّمنا بني آدم) كما جاء في القرآن الكريم، من الطفولة حتى الشيخوخة، بل وحتى أرذل العمر. وتناولت حقوق الطفل والمرأة والرجل على قدر متساوٍ من المسؤولية الجماعية والمشتركة. لم يعرف تاريخ العلاقات الإسلامية – المسيحية وثيقة أخوّة في مثل هذا الشمول الإنساني، وهذا التسامي عن الذاتية الضيّقة. ولعل أول مبادرة عملية تترجم الالتزام بالأخوة الإنسانية، تمثّلت في قيام البابا فرنسيس نفسه بزيارة بنجلادش للقاء تضامني مع جماعات «الروهنغا» المسلمين الذين هُجروا من بيوتهم ومن ديارهم في ميانمار بعد أن تعرّضوا لشتى أنواع الاضطهاد. وقبل ذلك حرص البابا الراحل على الاشتراك في مؤتمر حول السلام العالمي نظّمه الأزهر في القاهرة. كان بذلك أول بابا يزور مقرّ الأزهر الشريف، ثم كان أول بابا يزور المرجعية الشيعية في النجف الأشرف في العراق، ويسير على خطى سيّدنا إبراهيم أبو الأنبياء.
لقد اتخذ البابا فرنسيس اسمه تيمّناً بالقديس فرنسيس الذي تقدّسه الكنيسة اليوم لأنه خرج من بين صفوف القوات الصليبية للتحاور مع المسلمين بحثاً عن كلمة سواء. وسبق لي أن تعرفتُ عليه عندما كان رئيس أساقفة العاصمة الأرجنتينية بيونس أيرس. فقد وجدتُ في مكتبه نسخة من القرآن الكريم مترجم إلى اللغة الإسبانية، وعرفت أنه كان يترأس لجنة- كان يتولى هو نفسه أمرها- تضمّ مسلمين ويهوداً ومسيحيين أرجنتينيين للعمل معاً من أجل العيش الواحد والاحترام الديني المشترك. ولما اعتلى الكرسي البابوي جاء بهذه الثقافة الإيمانية الانفتاحية ليطلقها إلى العالمية من أبوظبي.
بوفاته تخسر الكنيسة الكاثوليكية، وتخسر الإنسانية جميعها، راعياً من كبار رعاة المحبة والتسامح، وداعياً من كبار دعاة الأخّوة الإنسانية والعاملين عليها. فالدين عنده كما جاء في كتابه «الأخوة الكاملة والمتكاملة» الذي صدر بعد لقاء أبوظبي، ليس مجرد صلاة في كنيسة بل في خدمة الإنسان ومحبته. بوفاة البابا فرنسيس تخسر الكنيسة الكاثوليكية ركناً من أركانها.. ومعلماً من أتباع المسيح والمؤمنين برسالته في التضحية والمحبة والتسامح.

محمد السماك

الرفض وحده لا يكفى!

عبدالله عبدالسلام

الرفض وحده لا يكفى!
قطعت مؤسسة القمة العربية شوطًا طويلًا إلى أن وصلت إلى ما هى عليه الآن. لم يعد خبر انعقاد قمة يحظى بالاهتمام الشعبى. آخر تجليات الإجماع العربى ظهر خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣. بعدها لم يعد العرب يتحدثون بلغة سياسية واحدة. تحولت قممهم تدريجيًّا إلى: «منتديات للتنفيس عن التوترات أو تسوية الانقسامات. فى بعض الأحيان كانت الأساليب التى تحدث بها تلك الأمور كاريكاتورية»، بحسب الدبلوماسى، المستعرب، رئيس الوزراء الروسى الراحل، يفجينى بريماكوف، (١٩٢٩- ٢٠١٥). قليلة هى القرارات التى اتخذتها أى قمة عربية منذ سنوات طويلة ويتذكرها المواطن العربى العادى، بينما لا تغيب عن الأذهان الخلافات العلنية والملاسنات بين هذا الزعيم و«شقيقه» العربى الآخر.
خطابات الزعماء والبيانات الختامية للقمم كانت قوية عالية الطموح، لكن تأثيرها، فى الغالب، ينتهى مع لحظات صدورها. ورغم الحرص على إظهار الوحدة والتضامن، فإن الانقسام كان واضحًا بين محورين، محور ما يسمى الدول المعتدلة، وآخر عنوانه الممانعة والمقاومة، الأمر الذى أصاب العمل العربى المشترك بما يشبه الشلل. القمة العربية الطارئة، المقرر عقدها فى القاهرة فى ٢٧ فبراير الحالى، يمكنها أن تغير، ولو تدريجيًّا، من هذا الوضع. رغم تداعيات العدوان الوحشى الإسرائيلى على غزة وشبح التهجير القسرى الذى يحظى برعاية أمريكية ومقترح ترامب للاستيلاء على غزة، فإن هناك أوراقًا إيجابية عربية يمكن البناء عليها لمواجهة تلك المخططات.
القتل الإسرائيلى الممنهج فى غزة متوقف مؤقتًا، وسوريا تتعافى بعد سقوط الأسد، ولبنان انتخب رئيسًا وشكل حكومة. الخلافات العربية «الزاعقة» هدأت نسبيًّا، وهناك فرصة ليس فقط لصياغة موقف عربى موحد ضد التهجير، بل، وهذا هو الأهم، للخروج برؤية مشتركة تكون بديلة عن الاستفراد الإسرائيلى والأمريكى بتحديد هوية وطبيعة اليوم التالى فى غزة والمنطقة بعد توقف القتال نهائيًّا. أحد أهم الانتقادات الأمريكية لرد الفعل العربى على خطة ترامب «العقارية» فى غزة الادعاء أن العرب يكتفون بالرفض ولا يقدمون بديلًا. القمة مطالبة بإعلان كذب ذلك. المطلوب مشروع عربى متكامل يقدم الرؤية العربية بشأن مستقبل غزة والقضية الفلسطينية. وإذا كانت قمة بيروت ٢٠٠٢ قد تبنّت «المبادرة العربية للسلام»، التى تضمنت إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليًّا على حدود ٦٧ وعودة اللاجئين والانسحاب من الجولان مقابل الاعتراف والتطبيع مع إسرائيل، فإن قمة القاهرة ٢٠٢٥ مطالبة بإعلان مبادرة بنفس الوضوح والقوة تمثل الرد العربى على ما يجرى حاليًا.
هذه المبادرة المطلوبة يمكن أن تكون مقدمة لإحياء النظام الإقليمى العربى على أسس جديدة بعد الضربات المؤلمة التى تلقاها خلال العقود الماضية. المحنة التى تتعرض لها غزة وتداعياتها على الواقع العربى فرصة للنهوض مجددًا. الفشل فى تبنى رؤية عربية واضحة قد لا يؤدى فقط إلى انهيار النظام الإقليمى العربى، بل إلى دخولنا مباشرة إلى عصر النظام الإقليمى الإسرائيلى، الذى ستكون أولى كوارثه التهجير وضم الضفة الغربية رسميًّا، وما خفى أسوأ.

الشُّعوبيَة والشّعبويَّة.. لكلٍّ زمنه

رشيد الخيون

يعيد اِصطلاح «الشَّعبوبيَّة» اليوم إلى الأذهان الحركة «الشُّعوبيَّة» في الأمس البعيد، مع أنَّ كلاً له زمنه ودلالته، كلاهما منحوتان مِن «الشَّعب» و«الشُّعوب». نَعتَ البعضُ بالشَّعبويَّة الرئيسَ الأميركيّ دونالد ترامب، في حملته الانتخابيّة الأولى (2016)، هجاءً لا مديحاً، وتزامناً نُعت بها المصوتون على «بريكست» (2016)- خروج بريطانيا مِن الاتحاد الأوربي- وأخذ اللَّفظ يُطلق على كلّ مَن يُظهر في خطابه تواضعاً ومزاجاً شعبياً، بحكم معاداة «النّخبة».
يأتي، بعد وحدة اللفظ، بين الشّعوبيّة قديماً، في التاريخ الإسلاميّ، والشَّعبويَّة حديثاً، في التّاريخ الأوروبيّ، الاستخفاف بالنّخبة. تبنى الشُّعوبيّةَ شعراءٌ ومثقفون، مِن غير العرب ضد العرب، يوم مثّل العرب النُّخبة، في السّياسة والأدب. كذلك تبرز «الشَّعبويَّة» لتحطيم النُّخب، أو الخطاب النّخبوي، وعمرها يرقى إلى القرنين مِن الزَّمان، وقد حار المنظِّرون في تعريفها، لذا لم يجعلوا لها مكاناً بين المصطلحات السّياسيَّة.
أمَّا الشّعوبيّة فحُسم أمرها حال ظهورها، ارتبطت بالحط مِن العرب، فالشُّعوبيون «يصغرون شأن العرب» (الزَّمخشريّ، أساس اللُّغة)، وعندها قيل: «لا تقل بقول الشّعوبيَّة، أراد الموالي، الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون بفضلهم، فإنَّ قولهم بدعة وخلاف» (الكرميّ، مسبوك الذَّهب).
لهذا، عندما واجه أحدُهم النّسابةَ هشام الكلبي (ت: 204)، بسؤال: «لِما سمت العرب أبناءها بكلب وأوس وأسد وما شاكلها، وسمت عبيدها بيسر وسعد ويُمن؟ قال (ابن الكلبيّ) وأحسن: لأنها سمَّت أبناءَها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها» (الثَّعالبي، فقه اللغة).
كذلك واجه الجاحظ (ت: 255ه) الشُّعوبيين، مع أنه كان عربياً بالموالاة لقبيلة كنانة، وليس كنانيَّ الأصل، وذلك عندما أكثر الشُّعوبيون مِن ثلب العرب: «إنك متى أخذت بيد الشّعوبي، فأدخلته بلاد الأعراب الخُلُّص، ومعدن الفصاحة التَّامة، ووقفته على شاعر مفلِق (مبدع)، أو خطيب مِصقع (فصحيح البيان)، عَلم أنَّ الذي قلت هو الحقّ، وأبصر الشَّاهد عِياناً، فهذا فرقُ ما بيننا وبينهم» (البيان والتبيين).
يطلب الجاحظ من الشُّعوبيين المغالين، النَّظر في أحوال بقية الأُمم، فسيخففوا مِن شعوبيتهم ضد العرب، قال: «لو عرفوا أخلاق أهل كلِّ مِلة، وزيّ أهل كلِّ لغةٍ وعللِهم، على اختلاف شاراتهم وآلاتهم، وشمائلهم، وهيئاتهم.. لأراحوا أنفسهم، ولخفت مؤونتهم، على ما خالطهم» (نفسه).
كانت المعركة حامية الوطيس، بين الشُّعوبيين والمعارضين لهم، لكنَّ القصة لا تخلو مِن فعل ورد فعل، فعدد مِن النَّسابين العرب أنكروا على الشُّعوب فضلهم (كان يشار لغير العرب بالشعوب وللعرب بالقبائل، عندما فسروا الآية: و(جعلناكم شعوباً وقبائلَ)، وقد ورد في الحديث: «أنَّ رجلاً أسلم مِن الشُّعوب» (ابن منظور، لسان العرب)، فالكل صاروا مِن أصول عربيّة. لذا، قال شاعر محسوب على الشُّعوبيَّة: «متى كانت الأتراك أبناء مذحجٍ/ إلا أنَّ في الدُّنيا عجيباً لمَن عَجب» (ابن الجوزي، الرّسائل). جعلوا بالمقابل علماء وفقهاء مِن أصول عربية أعاجمَ (انظر: معروف، عروبة العلماء المنسوبون إلى البلدان الأعجميَّة).
كل ما تقدم، مِن الشعوبيّة، جوهره مواجهة «النُّخبة» لصالح «الشُّعوب»، والنخبة هم العرب، وخصوصاً في العصر الأمويّ. كذلك نجد «الشعبويّة»: فكرة الشّعب مقابل النُّخبة. بدأ تداول هذا اللفظ أواخر القرن التاسع عشر، في روسيا وأميركا، وعُرف حسب قاموس «بوتي روبير» بالقول: «خطاب سياسيّ موجه إلى الطَّبقات الشَّعبيَّة، قائم على انتقاد النّظام، ومسؤوليه، والنُّخب» (تقرير مفصل لـ«فرانس 24»).
إذا كانت الشعوبيّة، أُخذت بالعنصريّة ضد العرب، والمقصود الطبقات المتنفذة آنذاك، على أنها صوت الشُّعوب (غير العرب)، وأكثريتهم مِن سُكان البلدان المفتوحة، فقد ورد في تعاريف «الشّعبويَّة» أنها «صوت الشَّعب» ضد النُّخبة الحاكمة، على أنها ارتبطت في بداية الأمر بحركة الفلاحين الروس الاشتراكيَّة. لكن يبقى كلٌّ له زمنه ووسائله، ولم يخل الاثنان بإطلاقهما، مِن الحط بالمقصودين بهما. هذا، ونختم بأجزل الشّعر وأنبله: «حببتُ الناسَ والأجناسَ: مذ شاركنا، الأحباشُ، والبربرُ، والزِنْجُ، بأحزانٍ وأعراسْ» (الجواهريّ، حببتُ الناس).

نحن و«ترامب» بين الثابت والمتغير

كتب أحمد أبو شادي

لم يحظَ قدوم رئيس أمريكى قبل دونالد ترامب بكم وتنوع التكهنات عن سياساته والتوجس من نواياه داخليًا وخارجيًا.
ذلك التوجس ينطبق علينا فى مصر وعلى أشقائنا العرب، خاصة إخواننا الفلسطينيين الصامدين فى غزة والضفة الغربية والقدس، وفى سوريا ولبنان واليمن وعموم منطقة الشرق الأوسط.
مبعث التوجس متعدد وملموس، أوله تصريحاته الملتهبة، واختياراته لمساعديه فى إدارة البلاد، واستيلاؤه على مقاليد الحكم قبل توليه رسميًا سواء فى استقباله لعشرات الرؤساء الأجانب أو كبار رجال الاعمال والأثرياء الأمريكيين فى ضيعته فى فلوريدا، أو فى الظهور الرسمى معهم والإدلاء بتصريحات وبيانات تتجاهل الرئيس بايدن وحكومته الذين يبدون وكأنهم مختبئون وراء أسوار البيت الأبيض!.
«ترامب» يتصرف كالفيل الهائج بعد نجاحه الساحق فى انتخابات مشتعلة شهدت محاولتين لاغتياله، وتجريح إعلامى لشخصه فاق الوصف، وعلى عكس كل التكهنات حصل على ثلث أصوات أقليات الحزب الديمقراطى التى توعدها بالملاحقة، وحقق فوزًا على منافسته كامالا هاريس فاق فوز جو بايدن عليه عام ٢٠٢٠ بسبعة ملايين صوت.
بل إن «ترامب» يوحى فى عدد من تصريحاته بأن العناية الإلهية معه، ترعاه وتحميه ليكمل مهمته فى استعادة العظمة لأمريكا. مع ذلك يعلم «ترامب» أن دولاب الحكم يحتاج إلى تأييد الكونجرس بمجلسيه، وأن الغالبية التى يتمتع بها الجمهوريون هى ٤ أصوات فى مجلس النواب، وهى الأقل منذ عام ١٩١٧، كما أنها ٣ أصوات فقط لا غير فى مجلس الشيوخ.
وعلى جانب المعارضة يشعر زعماء الحزب الديمقراطى ومنظروه بأنهم خسروا معركة ٢٠٢٤ ولكنهم لم يخسروا الحرب، وأن معركة التجديد النصفى قادمة عام ٢٠٢٦، ويراهنون على فشل «ترامب» فى تحقيق مزايداته الداخلية فى أربع قضايا حيوية هى المهاجرون والاقتصاد والتأمين الصحى وحقوق الإنجاب، وحتمية انقلاب الناخبين عليه لصعوبة التعامل مع هذه القضايا الحساسة التى تمس حياة الناس بشكل مباشر.
يتوعد الديمقراطيون فى الكونجرس باتخاذ مواقف صلبة ضد شطحات «ترامب» وقراراته الملتهبة، والتركيز على السياسات الفعالة والعملية التى تستعيد ثقة الناخبين وتضمن أصواتهم فى انتخابات التجديد ٢٠٢٦، إضافة إلى أن «ترامب» يحكم للفترة الوحيدة المتبقية له لأربع سنوات، وسوف يسعى جاهدًا لترك بصمة إيجابية على حكمه. يختلف الأمر فى قضايا السياسة الخارجية، ومنها قضايانا، حيث يتمتع الرئيس الأمريكى وطاقم مساعديه بحرية أكبر فى رسم واختيار المسار السياسى الذى يروقهم، واتخاذ ما يلزم من الإجراءات والقرارات باستثناء إعلان الحرب الذى يتطلب موافقة الكونجرس. هناك ثلاث قضايا تستحوذ على اهتمام الرئيس الجديد ومساعديه، أولها وقف المجزرة الإسرائيلية فى غزة والإفراج عن الرهائن، وثانيها التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب فى أوكرانيا دون شبهة الاستسلام لمطالب الرئيس الروسى بوتين، وأخيرًا إدارة ملف المنافسة مع الصين بما يحمى التفوق التكنولوجى الأمريكى، إضافة إلى احتواء أنشطة إيران وكوريا الشمالية ومتابعة ما يجرى فى سوريا والسودان وغيرهما من الأزمات.

تبقى مصر فى وضع متميز بالنسبة لـ«ترامب» شخصيًا والإدارة الأمريكية بشكل عام، نظرًا لتاريخها الحضارى العريق وموقعها الفريد، والاستقرار والموضوعية التى تتسم بها مساعيها بين الأطراف.

تتمتع العلاقات الأمريكية- المصرية بالندية والاستقرار منذ عقود، اعتمادًا على المصالح المشتركة والثقة المتبادلة بين مؤسسات الدولتين، والتى يسعى الطرفان لتنميتها والمحافظة عليها، فى إطار التوافق الاستراتيجى المشترك.

كارتر.. فى تاريخنا!

كارتر.. فى تاريخنا!
رحل الرئيس الأمريكى جيمى كارتر الـ«39» للولايات المتحدة الأمريكية عن عمر 100 عام، وهو الأطول عمرا، والأقصر فى الرئاسة (1977-1981)، والذى بنى إرثا من الشجاعة، والوضوح الأخلاقى خلال عقود من الخدمة العامة.
لقد أحببت كارتر، وزرته بجورجيا فى الثمانينيات وهو متقاعد، وركبت إلى جواره وهو مزارع يحرث الأرض، ويزرع الفول السودانى، ويحصده بنفسه، وعندما نتعمق فى كارتر السياسى سنجده الرئيس الذى يكاد يكون الوحيد فى أمريكا يؤمن بأن هناك قضية فلسطينية، وشعبا يستحق الحياة، ويحتاج إلى تقرير المصير، وفى العقود التى تلت مغادرته المنصب لم يترك حجرا إلا قلبه فى سعيه لتحقيق سلام عادل للفلسطينيين، ولكل شعوب الشرق الأوسط، وهو فى قوته رئيسا حاول أن يمهد الطريق لتحقيق السلام الدائم ولم يتمكن ولكنه لم يتوقف، وهذا اعتراف بإنسانيته، ورؤيته السياسية الأخلاقية، أو القيمية بشكل إستراتيجى، ويعتبر كتابه «سلام أم فصل عنصرى» مرجعا فى نقد العنصرية، ورفض الأفكار الاستيطانية، وقد تسبب هذا الكتاب فى وصفه بمعاداة السامية، ولا أعرف لماذا لم نحتفِ به فى منطقتنا!، وبالنسبة لنا كمصريين نتذكر الرئيسين كارتر وأيزنهاور، فالأول كان شريكا للسادات، ونجحا بشكل مدهش فى صناعة السلام فى كامب ديفيد 1978، وأيزنهاور ساعد عبدالناصر فى 1956 خلال العدوان الثلاثى.
لقد زار كارتر مصر خلال فترة رئاسته فى 8 مارس 1979، ورافق الرئيس السادات كارتر بالقطار الرئاسى بين القاهرة والإسكندرية، وخرج المصريون فى طنطا للترحيب بالرئيس الأمريكى الذى صنع السلام مع السادات، وكان يستحق نوبل فى قضية الشرق الأوسط ولم يحصل عليها ولكنه حصل عليها عام 2020 بسبب جهود جمعيته الأهلية، ونحن نقدر كارتر الرئيس كما قدرنا، فقد كان يصف مصر بـ«أم الدنيا»، والسادات بالنسبة له أعظم قائد عالمى عرفه فى حياته، وكان يقول لكل من يقابله من بلدنا إن الكلمات لا تفى بحق مصر، وتعجز عن وصف رجل عظيم مثل السادات، ونحن فى منطقتنا مازلنا لا نعرف أصدقاءنا، ولا نعرف كيف نستفيد منهم لقضايانا، وعادة ما تضيع الفرص الثمينة، ولذلك تتأخر قضايانا عن الحلول، وتضيع السنوات على شعوبنا، ولعل قضية فلسطين مثال، فتقديرا، واحتراما لسيرة وسياسات الرئيس كارتر، وأدواره معنا.

أسامة سرايا