You are currently viewing مع العقاد .. حياة واحدة لا تكفي !!

مع العقاد .. حياة واحدة لا تكفي !!

بقلم: مصطفى قنديل

نائب رئيس تحرير جريدة عربية

كنت و بعض من زملاء لي و نحن في مقتبل المرحلة الإعدادية من عشاق الشعر والأدب و كانت أقدامنا تقودنا دائما إلى حيثا نجد ضالتنا من تلك الكتب. وكان سوق الأزبكية الشهير بالقاهرة في ذلك الوقت هو المكان المفضل و الملتقى الأثير لأمثالنا ولغيرنا من هواة إقتناء كتب الشعر و الأدب حيث كنا نجد فيه كثيرا مما تشتهي أنفسنا من كتب و دواوين الشعر النادرة و بسعر زهيد أيضا . وكان حي حدائق القبة الذي كنا نقطنه في ذلك الوقت لايزال يحمل سمات الماضي العريق حين كان قبل حركة الجيش التي أنهت النظام الملكي في عام ١٩٥٢واحدا من أرقى و أجمل أحياء القاهرة حيث تعود نشأة هذا الحي إلى زمن ليس ببعيد حين أعاد الخديوي إسماعيل بناء قصر القبة عام ١٨٦٩حيث كانت الحقول و المزارع آنذاك تحيط به من كل جانب بل و تمتد حتى شارع رمسيس (حاليا) و بعد ذلك جاء علية القوم ورجال الدولة فشيدوا قصورهم وبنوا بيوتهم في منطقة القبة تلك إقتداء بالخديوي وتقربا منه وممن جاء من بعده حتى سمّي عن حق بحدائق القبة. و بعد حركة الجيش في يوليو من عام ١٩٥٢ تم تأميم كل هذه القصور فكان منها قصر نجيب الريحاني الذي كان يعيش فيه مع بديعة مصابني و تحول إلى قصر ثقافة حدائق القبة. وكان يحتوي على مكتبة عامة من ثلاثة طوابق فكانت هذه المكتبة هى ملتقانا في ذلك الوقت وخاصة في الإجازات الصيفية نذهب إليها صباح كل يوم مشيا على الأقدام لنجلس فيها ما شاء لنا الوقت ثم نعود قبيل العصر يحمل كل منا كتابا إختاره ليقضي معه بقية ذلك اليوم وكان حديثنا في طريق العودة يدور حول ما قرأناه هناك و تطلعا و اشتياقا لما سوف نقرأه في الليل. كنت أنظر في غلاف تلك الكتب وخاصة روايات نجيب محفوظ  الخالدة التي كان يرسم غلافها الفنان التشكيلي المميز جمال قطب فيذداد إنبهاري بتلك الروايات ويشطح بي الخيال .. من عساه أن يكون هذا الرجل ولماذا يرفع يده و يصيح هكذا؟. فالحقيقة أن رسومات الفنان جمال قطب كانت تظهر فهما عميقا بأحداث روايات نجيب محفوظ بل لا أبالغ إذا قلت أنها ساعدت كثيرا في رواج و تسويق كتبه  والدليل على ذلك أنه عندما أعادت دار الشروق طبع كتب نجيب محفوظ بعد ذلك و غيرت الغلاف إلى رسومات على شكل مكعبات ومثلثات قل التوزيع بصورة ملحوظة.

ولما وصلنا إلى بداية المرحلة الثانوية تفتحت عيوننا وارتقت مداركنا فإذا بنا أمام العقاد تلك الشخصية التي لن يشهد تاريخ الأدب و الفكر مثيلا لها وكنا نسمع و نقرأ عن صالون العقاد الذي ينعقد صباح كل يوم جمعة من الساعة العاشرة إلى الثانية ظهرا في شقته في ١٣شارع السلطان سليم بمصر الجديدة وكان يرتاد صالونه هذا أكابر المثقفين وصفوة المفكرين وكان يعتبر حدثا ثقافيا جليلا في مصر آنذاك.

و كان أحد أخوال والدي رحمهم الله جميعا من محبي الأدب وكان يرتاد ذلك الصالون مع صديق له من الأدباء فكنت أسأله عما يحدث هناك فيقول كان العقاد يجلس في المنتصف لابسا الروب الشهير و الطاقية و الكوفية وكان عادة ما يبدأ هو الحديث ثم يجيئ خادمه إبراهيم بأكواب الليمون وبعد حوالي الساعة تجيئ القهوة.

ومن أجمل ما قرأت عن هذا الصالون كتاب الأستاذ أنيس منصور ” في صالون العقاد كانت لنا أيام ”  فهو كتاب قيم كتبه في أكثر من سبعمائة صفحة بأسلوبه المميز الرشيق فهو واحد من تلاميذ و عشاق العقاد ويقول أنه عندما كان يمشي في الطريق إلى منزل العقاد صباح يوم الجمعة فإنه كان يمشي مرفوع الرأس يود أن يقول لكل من يقابله أنه ذاهب للقاء العقاد. ويقول أنيس أنه وزملاءه من طلبه قسم الفلسفه بكلية الآداب طلبوا من العقاد أن يختار لهم موضوعا ليحاضرهم فيه ووافق العقاد ولكنه إشترط أن يختاروا هم أي موضوع يريدونه ولا يخبروه به إلا ساعة المحاضرة وفعلا ذهب العقاد وجلس الطلبة وجلس بجوارهم أساتذتهم وطلبوا منه أن يحاضر لهم عن الميتافيزيقا أو علم ما وراء الطبيعة وهو علم معقد و خاصة لا يوجد تعريف متفق عليه في الفلسفة لكلمة الطبيعة نفسها  وكان أرسطو يسمي تلك الموضوعات بالفلسفة الأولى – أو الفلسفة الإبتدائية – ويقول أنيس أنها كانت أجمل محاضرة سمعوها عن المتافيزيقا وفسرت لهم أشياء كثيرة. وكان يحدث كثيرا في هذا الصالون أن يحاول أحد الحاضرين أن يتحدث عن كتاب جديد قد قرأه لأحد الكتاب فإذا بالعقاد يقول: يا مولانا هذا ليس آخر كتبه عندي له بعد ذلك كذا وكذا. وذات مرة أراد أنيس أن يتفاخر بنفسه أمام العقاد و قال عندي كتاب جديد عن أحد الفلاسفة في أوروبا و ذكر إسمه و يقول أنيس كنت أعتقد أن العقاد لن يعرف هذا الفيلسوف فإذا بالعقاد ينادي خادمه: يا إبراهيم إحضر الكتب التي بجانب السرير  فإذا بها أربعة كتب جديدة عن ذلك الفيلسوف لم يسمع أنيس عنها من قبل. وكان إذا تعرض أحد من الحضور لرأي أحد من الفلاسفة ولم يكن العقاد متفقا معهم فإنه كان يشرح رأيه ولكنه إذا وجد المتحدث متمسكا برأيه فإنه يقول بنبرة حاسمة : يا مولانا صاحبك هذا جاهل. رحم الله العقاد فعندما أرادوا أن يمنحوه درجة الدكتوراة الفخرية رفض بإصرار وقال : من هؤلاء الجهال الذين يظنون أن في إستطاعتهم أن يمنحوا العقاد شهادة، العقاد أعلى من ذلك. قد يقول البعض إن هذا لهو الكبر ولكن الحقيقة مع العقاد غير ذلك .. إنه الخيط الرفيع بين الكبر وبين أن تعرف قدر نفسك. العقاد أخذ نفسه بالشدة و ساقها إلى حيث ينبغي لها أن تكون فهو لم يحصل إلا على الشهادة الإبتدائية في التعليم النظامي ولكنه حرك الحياة الثقافية في مصر و العالم العربي كله ثم كان على قمتها.

أما عن حياته الخاصة فقد عاش العقاد حياة جافة لم تعرف فيها نفسه حب المرأة  إلا أن هنالك قصتين عاطفيتين في حياته كانت الأولى في مقتبل العمر وهي التي صاغها في قصته “سارة” ولا يعرف عنها احد أكثر من ذلك. أما القصة الثانية  فكانت بمثابة الحب الحقيقي في حياته و كانت مع فتاة سمراء متواضعة الجمال جاهلة لا تحسن حتى القراءة و لا الكتابة جاءت من صعيد مصر إسمها ” هنومة محمد حبيب خليل ” وكانت تذهب إلى منزله لتدير له شئونه وتعنى به فما كان من العقاد  إلا أن وقع في غرامها و أحبها وكانت هي ملهمته عندما كتب ديوانه ” أعاصير مغرب “وكان يعلمها القراءة و الكتابة ويشرح لها ما كان يخفى على عقلها البسيط إدراكه ولكنها كانت تتطلع إلى شيئ آخر .. إلى دخول عالم التمثيل والسينما وساعدها العقاد في ذلك رغم أنه كان لا يريد لها أن تدخل هذا العالم. ووضعت أقدامها بالفعل لأول مرة على طريق السينما عندما وقفت أمام عبد الوهاب في أول أدوارها في فيلم الوردة البيضاء في أربعينات القرن الماضي واختار لها عبد الوهاب إسم ” مديحة يسري ” و بدأت تندمج في حياتها الجديدة و تخرج رويدا رويدا من حياة العقاد بل إنها كانت ربما تتنكر له فعزّ كل ذلك عليه بل وعزّ عليه أيضا أن ينساها وكان كلما دخل إلى غرفة نومه ليأوي إلى فراشه يظل مسهدا أرقا يفكر فيها فلجأ إلى صديقه الفنان التشكيلي صلاح طاهر رغم فارق السن بينهما فقد كان صلاح طاهر أصغر منه بكثير ( ربما كان في بداية العشرينات من عمره في ذلك الوقت ) ورسم له صلاح طاهر لوحة تعبر عن شعوره نحوها وكانت عبارة عن كعكة جميلة ملقاة علي الأرض وتتهافت عليها الحشرات ووضعها العقاد علي الحائط فوق فراشه ويقول صلاح طاهر أن هذه اللوحة قد ساعدت العقاد كثيرا علي النوم فكان إذا نظر إليها إرتاح كثيرا. و مازالت هذه اللوحة  معلقة في مكانها إلى الآن ويقول عامر العقاد إبن شقيقه أن هذه اللوحة لا تقدر بثمن الآن. وجدير بالذكر أن جدران البيت الأبيض بواشنطن تحمل أيضا لوحة من أعمال صلاح طاهر.

أما عن الناحية المادية فقد عاش العقاد حياة هي أقرب إلى الفقر منها إلى الغنى فهو لم يكن موظفا كغيره من أدباء ذلك العصر فقد كان مصدر دخله الوحيد هو محصلة بيع كتبه ومقالاته في الصحف وأحاديث قليلة في الإذاعة و التليفزيون. وكان غالبية  أدباء و فلاسفة عصره يتحاشون الدخول معه في مناظرات أو ماكان يسمى بالمعارك الأدبية ولكن طه حسين كان من أشهر من خاضوا معه غمار تلك المعارك وكان ـ إذا فرغت جعبته ولم يعد يستطيع مجاراة العقاد ـ يلجأ إلى أسلوبه المعهود ويأخذ في أن يلمح من بعيد إلى أن العقاد لا يعرف أصول النقد ولم يدرسه دراسه علميه. الحقيقة كما يقول أنيس منصور فإن طه حسين كان يغار من العقاد فقد كان شرطه الوحيد عندما كانت تطلب منه الإذاعة أو التليفزيون حديثا ألا يقل أجره عن العقاد.

ويقول أنيس منصور ـ والعهدة على الراوي ـ أن العقاد فكر عدة مرات في الإنتحار من شدة ضائقته المالية فقد كان رحمه الله يبيع كتبه لعده طبعات مقدما يعني تكون الطبعة الثانية على سبيل المثال في الأسواق لإحتياجه للمال. ويذكر عامر العقاد أن عمه العقاد كان على موعد مع ناشر من إحدى الدول العربية ليزوره في بيته في الساعة الخامسة مساء ليتعاقد معه لشراء كل كتبه وكان العقاد في ذلك الوقت في أشد الحاجة للمال، وفي تمام الساعة الخامسة جلس العقاد في مكانه المعتاد بالروب و الكوفية و الطاقية ولكن الرجل لم يأت وما إن حانت الساعة الخامسة وخمس دقائق حتى قام وقال لعامر: إذا جاء هذا الرجل فاصرفه فإنه لايعرف قدر الرجال.

كلما أتذكر أن ذلك العملاق هو من كتب العبقريات … عبقرية محمد صلوات الله عليه وسلم ثم عبقرية عمر ثم عبقرية الإمام علي ثم عبقرية الصديق ثم عبقرية المسيح ثم عبقرية عثمان حيث وضع في تلك العبقريات خلاصة فكرة فهي ليست سردا لسيرتهم الذاتية بل هي دراسة لأطوارهم وتسليط الضوء على جوانب العظمة ونواحي التفرد تماما كما قال أنيس منصور أنه يحضر التاريخ والأنبياء وأهم الشخصيات في العالم ليقلب فيها بأنامله ويحركها ويشكلها ويقرأها ويحكيها كما شاء وكيفما شاء.

ولا ينبغي لنا أن ننسى هنا كتابه الخالد ” التفكير فريضة إسلامية ” فهو في تقديري يعتبر من أهم كتبه بعد العبقريات فهو يتحدث عن العقل وقيمته ثم يوضح أين موقع ومكانة ذلك العقل من الإسلام وكذلك علاقة العقل بالإجتهاد في الدين.

وهناك كذلك كتاب ” الله ” وكتاب ” الإنسان في القرآن ” وكتاب ” الفلسفة القرآنية ” وغيرهم الكثير حيث بلغ عدد ما كتبه العقاد حوالي تسعين كتابا عدا ما كتبه من مقالات في الصحف والمجلات. نعم كلما أتذكر كل هذا أشعر بالخزي و الألم بل وبتأنيب الضمير فكيف تترك الدولة عملاقا عظيما مثل هذا يعيش في مثل هذه الضائقة، فقد كان من الممكن أن تتكفل الدولة – على الأقل – برعاية مكتبته الخاصة التي كانت تستهلك كل دخله فقد كان فيها أكثر من مائة ألف كتاب. رحم الله العقاد.

اترك تعليقاً