كتب السيد نصر:
أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، أن الإسلام دين الوسطية والاعتدال، ونبّهت إلى خطر من يلبسون لباس الدين ليزرعوا الفتنة ويبرروا العنف.
ولفتت إلى أن الغلو في الدين سببٌ لهلاك الأمم السابقة، وأن التكفير والتفريق باسم التوحيد إنما هما من أخطر صور الإفساد في الأرض.
وأشارت إلى ضرورة حماية الشباب من التأويلات المشوَّهة، والتمسك بالفهم الصحيح للقرآن والسنة، بعيدًا عن احتكار الحقيقة أو ادعاء الوكالة عن الله ورسوله.
خطبة الجمعة:
إن من حكم خلق الإنسان أن يعمر الأرض. والإنسان بقدر ما يصل إلى المعرفة الدينية الصحيحة، يبني حياة قائمة على الحكمة.
أما إذا ابتعد عن هذه المعرفة، واتبع الهوى والشهوات، وانساق وراء الجهل والخرافات، فإن العمارة تتحول إلى إفساد، والإصلاح يحل محله الفساد.
إن ديننا الحنيف الإسلام يرفض الغلو، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث شريف “يا أيها الناس، إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين”.
ويريد الإسلام من المسلمين أن يلتزموا المنهج الوسط وأن يعيشوا حياة متوازنة.
ويقول ربنا جل وعلا في القرآن الكريم “وكذٰلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدٓاء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً”.
ومع ذلك، فإن الذين يستغلون القيم السامية لدين الإسلام، دين السلم والأمان، ما زالوا موجودين اليوم كما كانوا في الماضي.
وإن الغاية الحقيقية لهؤلاء هي إثارة الفتنة والفساد داخل المجتمع الإسلامي تحت ستار الدين، وإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين.
إن الذين يستغلون الدين يجعلون أنفسهم وكأنهم الممثل الوحيد له، ويحبسون الإسلام في أفكارهم الخاصة.
ولتأييد آرائهم التي لا تقوم على معرفة دينية صحيحة، يعمدون إلى نزع القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عن معناهما الحقيقي، ويتجهون إلى تفسيرات اعتباطية.
ولا يترددون في تعطيل الأحاديث النبوية الشريفة من أجل فرض خطاباتهم الإقصائية التفريقية.
كما يجعلون من مفاهيم كالشرك والتكفير والجهاد وسائل لسفك الدماء وقتل المسلمين. وهذه الجماعات التي تقدم نفسها على أنها مصلحة ومدافعة عن التوحيد، يبين القرآن الكريم حقيقتها بقوله تعالى “وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارضۙ قالٓوا إنما نحن مصلحون، إلٓا إنهم هم المفسدون ولٰكن لا يشعرون”.
إن صاحب الدين هو الله تعالى، والذي عاش الإسلام على أكمل وجه هو نبينا محمد المصطفى.
وفقا للإسلام لا يجوز لأي أحد أن يضع نفسه موضع الله ورسوله، ولا أن يصدر أحكاما باسمهما.
ولا يحق له أن يتجاهل التراث الديني والتاريخي المتراكم الذي وصلنا عبر تقاليدنا.
كما لا يجوز لأي أحد أن يرى نفسه الممثل الحقيقي الوحيد للدين، ولا أن يدعي أن الحقيقة المطلقة حكر عليه وحده. ولا يجوز له أن يخرج مسلما من دائرة الإيمان باتهامه بالشرك أو الكفر، ولا أن يعتدي على حياته أو ماله أو عرضه.
وللأسف، تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم فهما خطيرا يحتكر الإسلام لنفسه ويقصي من يخالفه.
لقد تحولت هذه الجماعات الشاذة، التي تسعى عبر المنصات الرقمية إلى تشويش عقول الشباب المسلمين وإظهار دين السلام الإسلام مقرونا بالعنف، إلى مشكلة عالمية.
ينبغي لنا أن نكون على قدر كبير من الحيطة والحذر تجاه هذه البنى التي تهدد وحدتنا وتماسكنا وتسعى إلى تعتيم مستقبلنا.
كما يجب أن نحرص على أن يتلقى شبابنا المعرفة الدينية الصحيحة من أفراد مؤهلين وبالأساليب والمناهج السليمة.
وعلينا أن نحافظ على القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وتراثنا الإسلامي المنبثق من حضارتنا.
ولا ينبغي أن ننسى أن أكثر من ألحق الضرر بالإسلام والمسلمين هم أولئك الذين يستغلون ديننا وقيمنا ومفاهيمنا استغلالا سيئا.