
كتب:أميرة صالح
كشفت دراسة لمكتب الإحصاء الأمريكي أن معدلات تبنى الذكاء الاصطناعي في الشركات لا تزال محدودة رغم المخاوف المتصاعدة من فقدان الوظائف، إذ لا تتجاوز نسبة استخدامه 37% حتى في الشركات الكبرى. ويرى راجان، المحافظ السابق لبنك الاحتياطى الهندى، أن آفاق سوق العمل ليست متشائمة بالكامل، فبينما ستختفي بعض الوظائف، ستنشأ أخرى أكثر إنتاجية، مقترحًا حلولًا مثل فرض ضريبة على «رموز» الذكاء الاصطناعي وتقديم إعفاءات ضريبية لإعادة تدريب العاملين لضمان تكيف سوق العمل مع هذا التحول.
37 % من الشركات الكبرى
تستخدم الذكاء الاص طناعي
وبات التخلى عن الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي أمرًا حتميًّا، مع أن سرعة حدوثه ونطاقه والقطاعات الأكثر تأثراً به غير معروفة. ويتوقف الكثير على مدى سرعة تطبيق الشركات لهذه التقنية في عملياتها. وتشير دراسة حديثة أجراها مكتب الإحصاء الأمريكي حول اتجاهات الأعمال وتوقعاتها إلى أن 20% فقط من الشركات التي يقل عدد موظفيها عن 20 موظفاً تستخدم الذكاء الاصطناعي حالياً، مقارنةً بـ37% من الشركات التي تضم 250 موظفاً على الأقل. ورغم أن الشركات الكبيرة تستخدم هذه التقنية على نطاق أوسع، إلا أن نسبة 37% لا تزال ضئيلة للغاية بالنظر إلى سهولة الإجابة بنعم في الاستطلاع (أى ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يُستخدم «في أى وظيفة من وظائف العمل»).
صعوبة الدمج وعدم اليقين بشأن التكلفة يعيقان التبنى الكامل
وحسب «جى. راجان»، المحافظ السابق لبنك الاحتياطى الهندى وكبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولى، فإنه في الوقت الراهن، يعيق تبنى الذكاء الاصطناعي صعوبة دمج قدراته المذهلة في سير العمل الحالى بطريقة تُمكّن الشركات من جنى فوائده بالكامل. ويتطلب ذلك نماذج لا تقتصر على التدريب على البيانات الموجودة فحسب، بل تتكيف أيضًا مع البيانات الجديدة الناتجة عن الاستخدام اليومى. ومن العوامل الأخرى التي تُعيق التبنى عدم اليقين بشأن التكلفة. لا تزال العديد من الشركات الكبرى تُجرى تجارب أولية وتؤجل قرارات التوظيف أو الفصل في انتظار مزيد من الوضوح. ولكن في نهاية المطاف، ستُجبرها ضغوط المنافسة على تبنى هذه التقنية بشكل كامل.
راجان: آفاق الوظائف ليست متشائمة
رغم اختفاء بعضها
وقال محافظ المركزى الهندى السابق في مقال نشره موقع بروجيكت سنديكيت: «لا تبدو آفاق الوظائف متشائمة تمامًا. فإذا استمرت الشركات في إنتاج السلع والخدمات التي تنتجها حاليًا، فسيكون لتبني الذكاء الاصطناعي أثرٌ مماثل لأى تقنية جديدة. صحيح أن بعض الوظائف ستصبح زائدة عن الحاجة (مما يعنى الاستغناء عن بعضها)، لكن بعض الوظائف الأخرى ستصبح أكثر إنتاجية وإثارة للاهتمام، إذ سيُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف الأعمال الروتينية والمساعدة في المهام التي لا يُجيدها البشر، كما ستُستحدث وظائف جديدة مثل مهندسي الذكاء الاصطناعي الذين يُشرفون على تطبيق هذه التقنية.»
وتابع: «علاوة على ذلك، إذا كان تبنى الذكاء الاصطناعي نابعًا من زيادة الإنتاجية التي يحققها (بدلًا من انخفاض تكلفته الضريبية مقارنةً بالجهد البشري)، فإن قدرة الشركات على إنتاج المزيد بتكلفة أقل ستُمكّنها من خفض الأسعار وزيادة المبيعات. وهذا ما يُعرف بتأثير جيفونز، الذى من شأنه أيضًا أن يزيد فرص العمل.»
الذكاء الاصطناعي قد يسهم في تأسيس مشروعات تجارية جديدة
وفي جزء آخر من مقاله، ذكر أن وثمة سبب آخر للتفاؤل، وهو أن الذكاء الاصطناعي قد يُسهم في إنشاء مشاريع تجارية جديدة. قد تتردد جيل في أن تصبح رائدة أعمال تبيع قطع أثاث مصنوعة من الخشب الطافي، لأنها تحتاج أيضًا إلى مبرمج مواقع إلكترونية ومحاسب لبدء مشروعها. مع قيام الذكاء الاصطناعي بهذين الدورين، ربما تستطيع تأسيس مشروع فردى بتكلفة أقل بكثير. وقد ازداد عدد الشركات الناشئة بشكل ملحوظ خلال فترة الجائحة، وتزايد أكثر في الفصول الأخيرة.
ونوه إلى ما أشار إليه الخبير الاقتصادى ديفيد أوتور، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزود العاملين ذوى المهارات المتوسطة بمهارات متقدمة، كما هو الحال مع ممرضة ممارسة تستطيع تشخيص وعلاج العديد من الأمراض بمساعدة الذكاء الاصطناعي الطبى. ونظرًا للطلب الهائل على الخدمات الطبية عالميًا، وعلى الخدمات بشكل عام، فإن هناك مجالًا واسعًا لخلق المزيد من فرص العمل.
الحكومات مطالبة بمعالجة تحيز النظام الضريبى ضد العمل البشرى
واستطرد: «لكن حتى لو كانت أزمة فقدان الوظائف أقل حدة مما كان يخشاه الكثيرون، فإن تقليل آثارها يظل ضروريًا للحفاظ على التضامن الاجتماعى، وسيتعين إشراك الشركات في هذا الجهد. فهى، في نهاية المطاف، الأقدر على إدراك الفرص الجديدة التي يمكن لموظفيها إعادة تأهيل أنفسهم لها. لذا، فإن المهمة الأولى لأى حكومة هى تحديد ومعالجة جميع الطرق التي يُحابى بها النظام الضريبى الشركات على حساب العمل البشرى. على سبيل المثال، تُساهم شركة أمريكية في دفعات الضمان الاجتماعى لكل عامل، ولكن ليس للذكاء الاصطناعي.»
مقترح بفرض ضريبة على «رموز» الذكاء الاصطناعي لتحقيق تكافؤ الفرص
وأضاف: «في عالم تعانى فيه الحكومات من ضائقة مالية، يتمثل أحد سبل تحقيق تكافؤ الفرص في فرض ضريبة على رموز الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها الشركات. يجب حساب معدل الضريبة بدقة لتجنب عرقلة نشر الذكاء الاصطناعي، ولكن يمكن تحديده منخفضًا في البداية ثم رفعه تدريجيًا مع اكتساب الخبرة. وبينما يسهل تتبع المدفوعات لمزودى الذكاء الاصطناعي المحليين، سيتعين أيضًا إخضاع المزودين الأجانب للرقابة؛ إلا أن هذه ليست مشكلة مستعصية.»
وتابع: «إدراكًا منا أن الجولة الأولى من استبدال الذكاء الاصطناعي لن تكون الأخيرة، سيكون من الأهمية بمكان حث الشركات على إعادة تدريب العاملين دوريًا، والاحتفاظ بهم كلما أمكن. ولعل الحكومات تنظر في منح إعفاء ضريبى للتدريب الإضافي المقدم للعاملين، بحيث يُتاح ثلث قيمته سنويًا طالما بقى العامل في وظيفته (وليس بالضرورة لدى الشركة التي قدمت التدريب الأخير). وإذا رغبت الحكومة في تطبيق هذه السياسة على الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي، فيمكنها حتى اشتراط استخدام الإعفاء الضريبى فقط لتعويض الضريبة الرمزية.»
التزام الشركات بمساعدة
موظفيها أهم من الحوافز الضريبية
وتابع: «لكن الأهم من الحوافز الضريبية هو إقرار الشركات بالتزامها الكامل بمساعدة موظفيها على التكيف مع مستقبل غامض. فمع تزايد عدم اليقين في سوق العمل، قد يتردد حتى أفضل الموظفين وأكثرهم كفاءة في قبول عروض عمل من جهة قد تفصلهم متى ما رأت أن الذكاء الاصطناعي قادر على أداء مهام مماثلة أو أفضل.
وقد يحظى أصحاب العمل الذين يتعهدون بدعم موظفيهم بميزة إضافية: فمع تحسن سمعتهم، سيتسع نطاق المرشحين المؤهلين للاختيار من بينهم.»
واختتم: «إنّ هذا التوجه مُشجّع. ففي دراسةٍ جارية، وجدنا أنا ولويجى زينغاليس وبيترو راميلا أن نسبة الرؤساء التنفيذيين في قائمة فورتشن 150 الأمريكية الذين يُصرّحون في رسائلهم إلى المساهمين باهتمامهم بتطوير الموظفين قد ازدادت باطراد، من حوالى 20% عام 2008 إلى 44% عام 2023. لا يُمكننا استبعاد احتمال أن يكون هذا مجرد كلامٍ فارغ، ولكن نأمل ألا يكون كذلك. فكلما انخرطت الشركات في ما قد يكون التحدى التجارى الأبرز في عصرنا – وهو توفير وظائف جيدة للبشر – كلما ازداد تفاؤلنا جميعًا بمستقبلٍ مزدهر.».