مع حلول ذكرى مولد خاتم النبيين، عليه الصلاة والسلام، يتجدد الجدل حول الاحتفال بذكراه، ليس من منطلق شرعي فحسب، بل تتعدى التجاذبات السجالية في المسألة الفقهية لتطال العادات الاجتماعية المتوارثة، وتتصدر الخطابات التي من شأنها أن تجعل المختلف فيه واجبا، والسنة فرضا، والحسن مجتنبا، والمباح ممنوعا، حيث يقوم الصراع ليس على البحث في مصادر فقهية يعذر بعضها بعضا عند وقوع الاختلاف، بل يتصدر الرفض المطلق ليجعل من الاحتفال بالمولد فعلا منكرا يمكن أن يورد صاحبه المهالك.
لا يتوقف الاحتفال بمولد الرسول، عليه الصلاة والسلام، عند استذكار سيرته وتدبر محنته، والتأمل في حياته، بل يشمل طقوسا يراها البعض مخالفة لجوهر البعثة المحمدية، بل ينكر علنا اجتماع الناس لقراءة القرآن جماعة، فالحرب هنا ليست مبنية على مدارك التفكير العقلاني، بل تجاوزت حد الاحتكام لمن تتأسس له الولاية ليكون الصورة الشاملة لمعنى الإسلام، والاحتفال بالمولد قد لا يتجاوز كونه حدثا يتكرر كل سنة عند البعض، لكنه يحمل في طياته معاني وافرة عن فكرة التغيير والحرية.
فهل يمكن أن تكون ذكرى المولد النبوي، لا مجرد سؤال عن مشروعية الاحتفال، بل مدخلا للتفكير في معنى ميلاد الأمة، وقدرتها على تجديد ذاتها واستعادة دورها الحضاري؟
في معنى الميلاد تتكرر اللحظات التي من شأنها أن تجعل للحياة ظلا أبديا، حيث يكون الإنسان جوهر دورة التاريخ والحضارة، إذ إن ميلاد شيء ما يعني النشأة الأولى نحو عالم تتشكل فيه ملامح جديدة يمكن لها أن تتطور مع مرور الزمن، عبر أطوارها الثلاثة: النشأة والتكوين والاندثار؛ ففي النشأة تتأسس المعاني والعلاقات، وفي الثانية يتكون التصور الإنساني والحضاري لمفاهيم الحياة، أما الثالثة، التي تعني الاندثار، فإن الإنسان يقترب أكثر نحو فنائه، ليعيد الكرة، مورِثا أدبياته وعاداته للأجيال المتعاقبة.
ربما نعتقد أن الميلاد متعلق بذروة النشوء الأولى، حيث يرتبط الخروج من اللاشيء بتقديم تعريف واضح للحياة، وإننا نخطئ كثيرا إذا اعتبرنا ذلك حتمية يمكن بموجبها أن تصاغ اللحظات الأكثر حساسية وإثارة عبر التاريخ، إذ إن نشوء الأمم يرجع إلى تكوينها الأصلي، ليس عبر الاحتفاء بالجغرافيا والتشبث بعاداتها، بل بمدى استجابتها للاهتزازات التي من شأنها أن تبعث فيها نفسا مغايرا، وهوية منفتحة على عوالم متعددة، في سبيل تحقيق استمرارية تاريخية لا تخضع للشروط الحضارية بقدر ما تصوغ قيم الإنسانية المشتركة.
حين تنشأ الأمم فإنها تتأسس على ضوابط قبلية أو تحتكم لعقد اجتماعي تتعزز به مفاهيم الدولة والحرية والديمقراطية، إذ تنهض الأمم بمقومات حضارية تجعل من الفرد والمجتمع شبكة متداخلة مع حركة التاريخ والاقتصاد، حيث لا تقبع الأمة في بدايات نشأتها، بل تعيش لحظتها الراهنة، وتخطط لمستقبلها، وتحفظ مقومات حضورها، فلا تمعن في الاختلاف، ولا تنساق وراء تكميم الأفواه، بل تنشغل بصناعة الإنسان معرفيا.
رئيس التحــريــر