22 عاما على رحيل بنت الشاطئ.. عائشة عبد الرحمن حارسة التراث وفقيهة التجديد
عائشة عبد الرحمن تركت 63 كتابا، وأكثر من ألف مقال، وظلت 20 عاما ركنا علميا متينا بكلية الشريعة في جامعة القرويين بالمغرب

22 عاما على رحيل بنت الشاطئ.. عائشة عبد الرحمن حارسة التراث وفقيهة التجديد

د. محمود الشرقاوي – القاهرة |

حارسة التراث وفقيهة الدراسات القرآنية حصدت ثمرات المنهج التجديدي لزوجها أمين الخولي، ونجت من أوضاره وأضراره، وكانت أول امرأة تحصل على جائزة فيصل العالمية في الآداب عام 1994م. درّست في 9 جامعات عربية، وكرّمتها 6 دول عربية وإسلامية، وقدّمت 63 كتابًا للمكتبة العربية والإسلامية وأكثر من ألف مقال، ورأت أن المجدد في الأصول لا بد من أن يكون أصوليًا في التجديد، وظلت 20 عامًا ركنًا علميًا متينًا بكلية الشريعة بجامعة القرويين في المغرب.

22 عاما مرت على رحيل حارسة التراث وفقيهة الدراسات القرآنية الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) (6 نوفمبر/تشرين الثاني 1912-1330/ ديسمبر/كانون الأول 1998م-1419هـ) التي كانت شاهدة عصر بكل المقاييس، ومثّلت سيرتها جسرًا أمينًا لتلاقي الأجيال، وصناعة الرجال، وحراسة التراث، وحماية المرجعية من كل عناصر الدخن والدخل، وكل شوائب الخلط والخبط عبر مشروع متكامل من أسرتها الممتدة. اجتمعت في شخصية الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) شخصيات عدة في ذات واحدة، وتلاقت في مسيرتها ظاهرات عدة في ظاهرة واحدة، فهي نموذج شاهد يجمع بفكره وشعره وعمله ومسيرته وصحبته أقوى البراهين على أن الأصالة هي مفتاح المعاصرة، وأن التليد هو بوابة التجديد.

فقيهة الدراسات القرآنية أستاذة التفسير وعلوم القرآن بجامعة القرويين بالمملكة المغربية، والأستاذة في 9 جامعات عربية، ورفيقة شيخ المجددين في الأصول، وشيخ الأصوليين في التجديد الزوج الشيخ “أمين الخولي” وكيل كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) والقائم بأعمال عمادتها، تلك الصحبة التي تركت آثارها وتراثها وطلابها ومريديها على مدى نصف قرن. وعبر “أسطورة الزمان” -الذي أطلقته على مشوار حياتها- ومدرسة “الأمناء” عكفت على تأصيل الحداثة، وتحديث الأصالة.

ولدت عائشة محمد علي عبد الرحمن منتصف نوفمبر/تشرين الثاني عام 1912 بمدينة دمياط بشمال دلتا مصر، حيث كان والدها مدرسًا بالمعهد الديني بدمياط، وكذلك كان جدّها لأبيها وأمها من الشيوخ الأزهريين. حفظت القرآن وجوّدته وهي دون العاشرة من عمرها، ورغبت في الالتحاق بالأزهر الشريف فرفض والدها.. نزولًا على التقاليد المرعية في ذلك العهد من منع خروج المرأة إلى الشارع، والرغبة في عدم تعليم البنات من جيلها الذي أسمته “جيل ضحايا شهيدات”. فدخلت الامتحان من الخارج -منازل- وحصلت على شهادة الكفاءة للمعلمات عام 1929م، وكان ترتيبها الأولى على القطر المصري، ثم حصلت على الشهادة الثانوية (البكالوريا) بتفوق، والتحقت بكلية الآداب بجامعة القاهرة، لتتخرج فيها عام 1939م بدعم من أمها.. حيث كان والدها حتى ذلك الحين يرفض بشدة تعليمها وخروجها من المنزل، وبإصرارها وتفوقها حصلت على درجة الماجستير بمرتبة الشرف الأولى عام 1941م.

وتجلت قدرتها الأدبية وشخصيتها الفكرية قبل أن تكون طالبة بالجامعة بعد، فقد كانت تنشر لها الأهرام مقالاتها عن الريف المصري بصفحاتها الأولى، كثاني سيدة يخرج فكرها إلى النور على صدر الأهرام بعد الآنسة “مي زيادة”. كما كانت تقوم بتحرير مجلة “النهضة النسائية” وإدارتها تقريبًا. ثم واصلت مسيرتها العلمية حتى حصلت على الدكتوراه عام 1950م عن “أدب أبي العلاء المعري”، وناقشها الدكتور طه حسين في درس علمي ذائع الصيت في ذلك الحين.. حيث كانت  بنت الشاطئ نموذجًا تطبيقيًا لمنهجية زوجها وشيخها “أمين الخولي” الذي كان أحد أبرز الرؤوس الفكرية والأدبية بكلية الآداب، وكان له منهجه الخاص في البحث العلمي الذي استقته تلميذته عائشة، وتشبّعت به روحًا وعقلًا، من أول يوم إلى آخر يوم في حياتها.. ذلك المنهج القائم على هضم تراث السابقين بوعي تجديدي، وتجديد واعٍ، على مقولة “نحن نتعلم من السابقين لكننا لا نسير خلفهم”.

فقد كان لأمين الخولي معادلة طريفة في تشجيع طلابه على التوثب والتحصيل والتجديد، ومفاد هذه المعادلة (ط = أ + ز) بمعنى أن الطالب لا بد من أن يساوي أستاذه أولًا، ثم يزيد عليه بفارق الزمن بينهما. أما عن منهجه الأدبي فإنه يقوم بإطاريه (الداخلي والخارجي) على البدء بجمع المصادر والمراجع، وكل أسباب الورود والتحقيق والتوثيق، المادية والمعنوية، ثم الاستغراق في فهم النصوص المنطلق من علوم العربية وفنونها.

لكن بنت الشاطئ كانت شديدة الوعي بما تصنع، فقد أخذت أحسن ما في منهج أمين الخولي ومدرسته العقلية في تجديد الدين، وتجنبت أسوأ ما فيه، حيث كان لهذه المدرسة سقطاتها الشهيرة.. لعل أبرزها ما يشير إليه الراحل الدكتور عبد الحليم عويس أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية الذي يرى أن انبهار بنت الشاطئ بأمين الخولي يخرج بها أحيانا عن حدود الموضوعية المنهجية، فقد انبهرت به تلميذة، وأعجبت أيما إعجاب بثقافته الواسعة وإجادته لغات أجنبية عدة، إلى جانب عقليته التحليلية وروحه التي فتحت عيونها على التراث من جديد، ثم احتواها زوجا فأنجبت منه 3 أبناء (أمينة وأديبة وأكمل)، لكنها -كما يرى عويس- كانت أكثر منه أصالة، وموضوعية، خاصة في عقودها الثلاثة الأخيرة، بعد أن بدأ يتلاشى تأثيره فيها.. ويتوارى مع تواريه في عالم الغيب.

اترك تعليقاً