بقلم :د ياسرجعفر\كاتب ومفكر مصري
نحن امة رسول الانسانيه صلي الله عليه وسلم فيها كل الخيرات والمسرات بطاعتها لله الواحد الحق العدل ،امة اتفرض عليها العدل والمساواة بعيدا عن الظلم والبغي ، ففي الحديث الذي رواه:أنس بن مالك
قال رسول الله ﷺ:
«*الأئمةُ من قريشٍ، ولهم عليكم حقٌّ، ولكم مثلُ ذلك، ما إن استُرحِموا رحِموا، وإن استُحكِموا عدَلوا، وإن عاهدوا وفُوا، فمن لم يفعلْ ذلك منهم فعليه لعنةُ اللهِ، والملائكةِ، والناسِ أجمعِينَ، لا يُقبَلُ منه صرفٌ، ولا عدلٌ*» صحيح الجامع.
(*المعنى العام للحديث*)
هذا الحديث يبين أن الولاية والإمارة ليست تشريفًا ولا امتيازًا، وإنما هي أمانة ومسؤولية عظيمة أمام الله تعالى، وأن من تولّى أمر الناس فله حقوق، ولكن عليه في المقابل واجبات أعظم، أهمها: الرحمة، والعدل، والوفاء بالعهد.
فقوله ﷺ: «*الأئمة من قريش*» يتحدث عن شأن الإمامة والقيادة في سياقها التاريخي الذي ورد فيه الحديث، وقد جعل النبي ﷺ للولاة حقوقًا على الرعية، كما جعل للرعية حقوقًا على الولاة، فلا تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم قائمة على الظلم أو الاستعلاء، كما هو قائم في الأمة وفي بلاد المسلمين، وإنما على الحق والعدل وأداء الأمانة.
«*ولهم عليكم حقٌّ، ولكم مثلُ ذلك*»
أي أن للولاة حقوقًا مشروعة على الناس، كما أن للناس حقوقًا مشروعة على ولاة أمورهم.
وهذا أصل عظيم في الإسلام: الحقوق متبادلة، والمسؤولية متبادلة.
فلا يجوز لمن تولّى أمر الناس أن يطالبهم بالطاعة ثم يضيّع حقوقهم، ولا يجوز للرعية أن تطالب بحقوقها ثم تتنصل من واجباتها.
«*ما إن استُرحِموا رحِموا*»
أي إذا طلب الناس منهم الرحمة، والرفق، ورفع الضرر والمشقة، رحموهم ولم يقسوا عليهم.
وهنا تظهر عظمة الرحمة في الحكم والإدارة؛ فالناس ليسوا أرقامًا ولا ملفات، وإنما هم بشر لهم ظروف وحاجات وضعف.
والرحمة لا تعني إلغاء النظام أو تعطيل القانون، وإنما تعني ألا يتحول تطبيق النظام إلى قسوة، وألا يتحول تنفيذ السلطة إلى ظلم.
فكم من موقف تستطيع فيه أن تعاقب، ولكن الرحمة أولى، وكم من إنسان يحتاج إلى فرصة بدلًا من أن يُهدم مستقبله.
«*وإن استُحكِموا عدَلوا*»
أي إذا طُلب منهم الحكم والفصل في الأمور، عدلوا ولم يميلوا مع الهوى أو المحاباة.
والعدل هو أساس استقامة المجتمع.
لا فرق في العدل بين قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير، ولا بين قريب وبعيد.
قال الله تعالى:
﴿*إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ*﴾
فالسلطة الحقيقية ليست أن تستطيع أن تفعل ما تشاء، وإنما أن تستطيع أن تنتصر للحق ولو كان الحق على من تحب. @ بالعَدلِ يستَتِبُّ الأمنُ في البلادِ، وتَحصُلُ الطُّمَأنينةُ في النُّفوسِ، ويشعُرُ النَّاسُ بالاستِقرارِ، وبذلك يُقضى على المُشكِلاتِ الاجتِماعيَّةِ والاضطِراباتِ التي تحدُثُ في الدُّوَلِ بسَبَبِ الظُّلمِ،وينبغي ان يكون حكم وشرع الله علي الكل من الرئيس والملك الي عامل النظافه ، لافرق بين عربي ولا اعجمي الا بالتقوي ، مش نسمع مقوله ان الضابط فلان قتل شخص لا يحاسب في اي شرع وفي دين هذا الكلام هذا الكلام متعمدا لانتشار الفساد والفوضي في البلاد، ففي الحديث الذي رواه:عائشة أم المؤمنين:(*- أنَّ قُرَيشًا أهَمَّهم شَأنُ المَرأةِ المَخزوميَّةِ التي سَرَقَت، فقالوا: ومَن يُكَلِّمُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فقالوا: ومَن يَجتَرِئُ عليه إلَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ، حِبُّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكَلَّمَه أُسامةُ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أتَشفَعُ في حَدٍّ مِن حُدودِ اللهِ، ثُمَّ قامَ فاختَطَبَ، ثُمَّ قال: إنَّما أهلَكَ الذينَ قَبلَكُم أنَّهم كانوا إذا سَرَقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكوه، وإذا سَرَقَ فيهمُ الضَّعيفُ أقاموا عليه الحَدَّ، وايمُ اللهِ لو أنَّ فاطِمةَ بنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَها*) صحيح البخاري
هذا دين الله وليست فوضي ، ينبغي ان يكون شرع الله علي الكل الكل سواسية امام حكم الله @بالعَدلِ يعُمُّ الخَيرُ في البلادِ:
فالعَدلُ سَبَبٌ في حُصولِ الخَيرِ والبَرَكةِ إذا كان مُنتَشِرًا بَينَ الوُلاةِ، وبَينَ أفرادِ المُجتَمَعِ؛ يقولُ ابنُ الأزرَقِ: (*إنَّ نيَّةَ الظُّلمِ كافيةٌ في نَقصِ بَرَكاتِ العِمارةِ؛ فعن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: إذا هَمَّ الوالي بالعَدلِ أدخَل اللهُ البَرَكاتِ في أهلِ مَملكتِه حتَّى في الأسواقِ والأرزاقِ، وإذا همَّ بالجَورِ أدخَل اللهُ النَّقصَ في مَملكتِه حتَّى في الأسواقِ والأرزاقِ*)
فقيامُ العَدلِ في الأرضِ كالمَطَرِ الوابِلِ بل هو خَيرٌ مِن خِصبِ الزَّمانِ كما قيل، فمِن كلامِهم: (*سُلطانٌ عادِلٌ خَيرٌ مِن مَطَرٍ وابلٍ*)، وقالوا: عَدلُ السُّلطانِ خَيرٌ من خِصبِ الزَّمانِ، وفي بَعضِ الحِكَمِ: ما أمحَلَت أرضٌ سال عَدلُ السُّلطانِ فيها، ولا مُحِيَت بُقعةٌ فاءَ ظِلُّه عليها@ بالعَدلِ يظهَرُ رُجحانُ العَقلِ:
قيل لبَعضِهم: مَن أرجَحُ المُلوكِ عَقلًا، وأكمَلُهم أدَبًا وفضلًا؟ قال: مَن صَحِبَ أيَّامَه بالعَدلِ، وتحرَّز جُهدَه مِنَ الجَورِ، ولقيَ النَّاسَ بالمُجامَلةِ، وعامَلهم بالمَسألةِ، ولم يُفارِقِ السِّياسةَ، مَعَ لينٍ في الحُكمِ، وصَلابةٍ في الحَقِّ، فلا يأمَنُ الجَريءُ بَطشَه، ولا يخافُ البَريءُ سَطوتَه .
@ العَدلُ أساسُ الدُّوَلِ والمُلكِ وبه دَوامُهما:
و(*في بَعضِ الحِكَمِ: أحَقُّ النَّاسِ بدَوامِ المُلكِ وباتِّصال الوِلايةِ أقسَطُهم بالعَدلِ في الرَّعيَّةِ، وأخفُّهم عنها كَلًّا ومَؤونةً، ومِن أمثالِهم: مَن جَعَل العَدلَ عُدَّةً طالت به المُدَّةُ*)مَن قامَ بالعَدلِ نال مَحَبَّةَ اللهِ سُبحانَه؛ قال تعالى: (*وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*) [الحجرات: 9] .
(*وكفى شَرَفًا فضيلةٌ يُحِبُّ اللهُ فاعِلَها*)
@ بالعَدلِ يحصُلُ الوِئامُ بَينَ الحاكِمِ والمَحكومِ.
@ بالعَدلِ يسودُ في المُجتَمَعِ التَّعاوُنُ والتَّماسُكُ والثِّقةُ بَينَ أفرادِه.
@ بالعَدلِ تَصفو النُّفوسُ وتَزولُ البَغضاءُ والشَّحناءُ.
@ في إقامةِ العَدلِ حَثٌّ على العَمَلِ والتَّنميةِ.
@ أهلُ العَدلِ لهمُ الأجرُ العَظيمُ والجَزاءُ الحَسَنُ في الآخِرةِ.
«*وإن عاهدوا وفُوا*»
أي إذا أعطوا عهدًا أو وعدًا، وفوا به ولم ينقضوه بغير حق.
فالوفاء بالعهد من علامات صدق المسؤول وأمانته.
وإذا كان الوفاء مطلوبًا من الإنسان العادي، فهو في حق من تولّى أمر الناس أعظم وأشد؛ لأن عهده لا يتعلق بنفسه فقط، وإنما قد يتعلق بحقوق أعداد كبيرة من الناس.
«*فمن لم يفعل ذلك منهم…*»
هنا يأتي التحذير الشديد.
فمن تولّى أمر الناس ثم ترك الرحمة، وظلم في الحكم، ونقض العهود، ولم يؤدِّ الأمانة، فإنه لم يستعمل السلطة كما أراد الله، بل جعلها وسيلة للظلم والاستبداد وأكل الحقوق.
ولهذا جاء الوعيد الشديد في الحديث:
«*فعليه لعنةُ اللهِ، والملائكةِ، والناسِ أجمعين*»
الحاكم الذي يظلم الناس يستحق لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ، ملعون مطرود من رحمة الله عليه اللعنة مثله مثل اليهود قال تعالي: (*وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ*) ﴿٨٨ البقرة﴾ قال تعالي:
(*أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا*) ﴿٥٢ النساء﴾قال تعالي:
(*قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ*) ﴿٦٠ المائدة
وهذا يدل على خطورة ظلم العباد والتفريط في حقوقهم، وأن المسؤولية أمام الله ليست شيئًا يسيرًا.
*السلطة اختبار وليست مكسبًا*
ومن أعظم ما ينبغي أن نفهمه من الحديث أن منصب المسؤولية امتحان من الله.
فقد يظن الإنسان أن المنصب قوة ورفعة، بينما حقيقته أنه أمانة سيُسأل عنها.
قال النبي ﷺ:
«*كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته*»
فكل إنسان له دائرة من المسؤولية، سواء كان حاكمًا، أو مسؤولًا، أو مديرًا، أو قائدًا، أو رب أسرة.
وكلما اتسعت دائرة المسؤولية، اتسعت دائرة الحساب.
*رسالة الحديث إلى كل مسؤول*
هذا الحديث ليس رسالة إلى الحكام وحدهم، بل هو منهج لكل من وُضع في موضع سلطة على غيره: ارحم من تحت يدك، واعدل بينهم، وأوفِ بما عاهدت عليه، ولا تجعل السلطة سببًا في إذلال الضعفاء أو هضم حقوقهم.
فالمسؤول الذي يرحم الناس، ويعدل بينهم، ويحفظ عهده، يترك أثرًا طيبًا في الدنيا، ويرجو رحمة الله في الآخرة.
أما من استغل سلطته ليظلم، أو ينتقم، أو يحابي، أو يأكل حقوق الناس، فعليه أن يتذكر أن هناك يومًا لا تنفع فيه المناصب ولا الألقاب ولا القوة، وإنما ينفعه أن يأتي إلى الله بقلب سليم وأمانة أداها وحقوق لم يظلم أصحابها.
*(خلاصة الحديث*)
القيادة في الإسلام أمانة، والسلطة مسؤولية، والعدل فريضة، والرحمة خلق، والوفاء بالعهد واجب.
فليس خير المسؤولين من كان أشد الناس هيبة، وإنما خيرهم من كان أعدلهم حكمًا، وأرحمهم بالضعفاء، وأوفاهم بالعهد، وأبعدهم عن الظلم.
ومن أراد أن يعرف حقيقة أخلاق صاحب السلطة، فلينظر كيف يعامل الضعيف حين لا يخشى منه شيئًا، وكيف يحكم حين تكون مصلحته في غير العدل.