إعـــداد : السيـــد نصـــر
رثاء امرأة لا تموت
قالوا في زوجاتهم شعرا
الماضي والحاضر يرويان قصصاً وذكريات لا تنسى
وثّقها الشعر في أجمل معانيه
رحلت عن دنياك ولم يبق لك سوى الدعوات والذكريات
عُرِفَ عن أهالي البيد والفيافي أنَّهم يحبسون عواطفهم ويلجمون مدامعهم في التعبير عن صدق الوداد وسرائر الفؤاد، بل إنَّ الرجل منهم ليستعيب أن يبوح بحنينه وأشجانه وأفراحه وأحزانه؛ لمُجرَّد أنَّ ذلك -كما كان يعتقد- يعبّر عن ضعف القلب ونقص المروءة وقِلَّة المهابة، ورغم أن هذا اعتقاد خاطئ وتقليد مخالف للشرع والعقل والتقاليد والسلوكيَّات الحميدة، إلاَّ أن موروثنا العربي لا سيما في الجزيرة العربيَّة يزخر بتوارث مثل هذه الأعراف، وقُل حينها أنَّ الجاهليَّة وقسوة وصعوبة الظروف المُناخيَّة والجغرافيَّة وحياة الصحراء بجفافها وصعوبة العيش فيها كانت طريقاً، بل سبباً رئيساً في جفاف صور التعبير عن العواطف والحنينن، ونضوب ينابيع المشاعر والوجدانيَّات من قاموس بعض أبناء أقاليم جزيرة العرب الذين وفد أحدهم إلى الرحمة المُهداة -عليه الصلاة والسلام- وشاهده يُقبِّل سبطه “الحسن بن علي” -رضي الله عنهما- فقال:”يا رسول الله، تُقبِّلون الصبيان؟”، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “نعم”، قال:”والله إنَّ لي عشرة من الصبيان ما قبَّلت أحداً منهم”، فنظر إليه -صلى الله عليه وسلم-، وقال:”أو أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك، من لا يرحم لا يرحم”.
كما أنَّه -عليه الصلاة والسلام- كان يحفظ ل “خديجة” حُسن الصحبة، ويعترف بجميلها، وقد ظلَّ وفيَّاً لها في حياتها وبعد وفاتها، حتَّى إنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان يُقدّمها على كافة زوجاته، ولم ينس أن يُحسن لصُويحباتها، كما سمع لمشورة “أُمّ سلمة” يوم “الحُديبية”، بل كان يُنادي “عائشة” -رضي الله عنها- “يا عائش”، وكان خُلقه وحُسن تعامله ووفائه مع زوجاته -عليه الصلاة والسلام- تشريعٌ لمعاني الحب والوفاء، وكان يُعبِّر عن هذه المحبة ولا يُخفيها.
ولعلَّ باكورة الاقتداء بهذا الخُلق العظيم جاء على يد أمير المؤمنين “علي بن أبي طالب” -رضي الله عنه-، وهو يرثي السيدة “فاطمة الزهراء” -رضي الله عنها- في قصائد تفيض صدقاً ووفاءً ومحبة لابنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.
شعر «ابن الصحراء» أرق وأعذب بعد «فراق الحبيب» ويترك في القلب لوعة للوجع والحزن
رثاء خجول
في تاريخ أدبنا العربي يلوحُ لنا وميض بعض صور الوفاء مع الزوجة، ونقف في بعض العصور على نماذج قصص وقصائد للزوجات اللائي إن كان البعض قد عبَّر عنها على استحياء، فإنَّ البعض الآخر باح علناً عن مشاعره وصدق عواطفه، بأشعار وقصائد ما زالت محفوظة ومرويَّة في دواوين الشعر وسِجلاّت الأدب، فهذا “جرير بن عطية” وهو شاعر أعرابي نجدي كان يسكن مدينة “حجر” التي تشملها اليوم مدينة “الرياض” وسط إقليم نجد، يرثي زوجته وأُمَّ أبنائه بقصيدته المشهورة:
لولا الحياءُ لهاجني استعبارُ
ولزرتُ قبركِ والحبيبُ يزارُ
صلى الملائكة الذين تخيّروا
والصالحون عليك والأبرار
ورغم أنَّ هذه الشعور كان موجوداً لدى الكثيرين، إلاَّ أنَّ التعبير عنه يُعتبر رزيَّةً وعيباً عندهم، لا سيَّما في العصر الجاهليّ الذي يندر أن توجد فيه قصيدة يرثي فيها أحد الشعراء زوجته، في حين نجد أنَّ باب الغزل والتشبُّب كان يُمثِّل ركناً من أركان القصيدة الجاهليَّة، رُغم أنَّ قصائد الغزل كثيراً ما تُعبِّر عن الوجدانيَّات والمشاعر الرقيقة، بل تتجاوزها إلى عرض صور التصاغر والتذلُّل للمحبوبة، كما قال “امرؤ القيس”:
أغرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتلي
وأنَّكِ مهما تأمرِ القلبَ يفعلِ
كما أنَّه على الرُّغم من أنَّ قصيدة “جرير” -وهو أعرابي لا شكَّ في بداوته- كانت قد عبّرت عن صادق الحب والوفاء للزوجة، لا سيما وأنَّه استطاع أن يمتلك زمام المبادرة في العصر الأموي بشجاعة وأن يرثي زوجته، إلاَّ أنَّ البعض أُخذ عليه في قوله:
لولا الحياءُ لهاجني استعبارُ
ولزرتُ قبركِ والحبيبُ يزارُ
عدم استطاعته زيارة قبر زوجته، ومحاولة إخفاء مشاعره ومدامعه؛ بسبب العيب والنظرة القاصرة للمجتمع آنذاك، كما أُخذ عليه أنَّه جعل رثاء زوجته مدخلاً لهجاء ابن عمِّه “الفرزدق”، وكأنَّه بذلك جعل رثاءها ممراً أو تمهيداً لغرضه الشعريّ، كما كان الغزل ووصف الأطلال والناقة تمهيدٌ لغرض شعراء الجاهليَّة وصدر الإسلام. وتكاد قصيدة “جرير” أن تكون الوحيدة في زمانها، حتَّى إنَّ الدواوين الأدبيَّة لم تستطع أن تنقل لنا قصيدةً مُماثلةً في العصر الأموي -إلاَّ ما ندر-، إلى أن جاء العهد العباسيّ الذي شهد العصر الثاني منه ظهور قصائد لا بأس بها في رثاء الزوجة، خاصة في أواخر هذا العصر الذي يُسمَّى عصر “الانحطاط”.
سياق اجتماعي
كان رثاء الزوجة أو حتى البنت أو الأخت يُعدُّ صراعاً مع عُرفٍ اجتماعيٍّ راسخٍ يصعب على الكثير من الشعراء ركوب موجته والغوص في لُجَّته، وهو ما دعا الشُّعراء وغير الشُّعراء إلى أن يسلكوا طريق السلامة دون مُصادمة العيب الاجتماعي الذي ربما عزلهم عن مجتمعهم.
ويقول “د.عبد الرحمن السماعيل”: “إنَّ ندرة رثاء الزوجات من قِبَل أزواجهنَّ في الأدب العربيّ، لا يُعدُّ ظاهرةً بقدر ما هو سياقٌ اجتماعيٌّ تحوطُهُ ثقافةٌ اجتماعيَّةٌ وأعرافٌ مُتوارثةٌ منذ العصر الجاهليّ، وأنَّ الخروج على هذا السياق هو الظاهرة التي يجب التساؤل عن أسبابها”، كما ذكر أنَّ رثاء “الأندلسيين” لزوجاتهم كان أكثر منه في المشرق العربي؛ لانعدام مثل هذه القيود الاجتماعيَّة في “الأندلس”، ولعلَّ الدليل على ذلك يتجلَّى في قصائد “البُحتريّ” و”ابن الروميّ”، اللذين يُعدَّان شاهدان على عصر الحضارة العباسيَّة، بيد أنَّهما لم ينعتقا من ذلك السياق العربيّ الشرقيّ، فهذا هو “البُحتريُّ” يقول:
ولعَمري ما العجز عندي إلاَّ
أن تبيت الرجال تبكي النساء
وربَّما كان وضع “البُحتريّ” مختلفاً لو أنَّ إحدى زوجات أو بنات ممدوحيه من خلفاء “بني العبَّاس” تُوفّيت، لا سيَّما وهو القائل:
ومن نعم الله لا شك فيه
بقاء البنين وموت البنات
وكم هو عجيبٌ أمر “البُحتريّ” حين يقول:”من تمام الوفاء أن يعلو على المدح الرثاء”، في حين يتناقض رأي “ابن الروميّ” مع شعوره في البكاء على زوجته وهو يقول في رثائها:
عيني شحا ولا تسحا
جل مصابي عن البكاء
ترككما الداء مستكنا
أصدق عن صحة الوفاء
ثمَّ يأتي ليُصادق على مقولة الأقدمين: “إنَّ خير بعل للبنت هو القبر”، ويقول وهو يخاطب “علي بن يحيى” في ابنته:
لا تبعدن كريمة أودعتها
صهراً من الأصهار لا يخزيك
إني لأرجو أن يكون صداقها
من جنَّة الفردوس ما يرضيكا
لا تأسينَّ لها فقد زوَّجتها
كفؤاً وضمنتَ الصداقَ مليكا
ثورة العواطف
البارحة يوم الخلايق نياما
بيَّحت من كثر البكا كل مكنون
بدأت ملامح ثورة العواطف على الأعراف والتقاليد السائدة تظهر جليَّةً منذ العصر العباسي، وتحديداً مع ارتفاع مؤشِّر الوعي وقبله حرص العلماء على نشر ثقافة حفظ حقوق المرأة، لا سيَّما حين برز كثير من العلماء والأئمَّة الذين تخرَّجوا من مدارس أُمهاتهم، مثل “أبي حنيفة النُّعمان” و”الشافعي” و”أحمد بن حنبل”، وهو ما جعل العديد من أبناء المجتمع آنذاك لا يجدون غضاضةً في التصريح بفضل المرأة في تحديد مسلكهم وتوعيتهم، حتَّى ظهر جيلٌ جديدٌ من الشُّعراء الذين صرَّحوا برثاء محبوتاتهم من الزوجات والأخوات والبنات وحتى الأُمهات، وراحوا يُردِّدون قصائدهم في المُلتقيات والمُنتديات الأدبيَّة، حتى إنَّ الوزير العباسيّ “عبدالملك الزيَّات” الذي عُرف بالفظاظة والشِّدة راح يرثي زوجته بقصيدة شجيَّة، وهو يقول:
فلا تلحياني إن بكيتُ فإنَّما
أُداوي بهذا الدمعِ ما تريانِ
ثمَّ راح الشعراء من بعده يرثون زوجاتهم، بلا تمنّع أو تردّد، فهذا “مسلم بن الوليد” ما يكاد ينفك عن بكاء زوجته وهو يقول:
دعاني أُفرط البكاء فإنني
أرى اليوم فيه غير ما تريان
ويبوحُ “الشريف الرضيّ” ببكائه زوجته وأيَّام شبابه وهو يقول:
وقال تسلَّ بأترابها
فأين الشباب وأين الزمان
أمَّا الشاعر الملقب ب”ديك الجن”، فقد رثا جاريته -التي تزوَّجها وكان يحبها حباً شديداً- بمراثٍ كثيرة، بكى فيها بكاءً شديداً، لا سيَّما وقد قتلها بيده بعد شكوكٍ تبيَّن فيما بعد براءتها منها، ما دفعه أن يكثر البكاء ويقول:
قد بات سيفي في مجال وشاحها
ومدامعي تجري على خدَّيها
ثمَّ يُخاطبها وهي تحت الثرى والتراب ويناديها:
أساكن حفرة وقرار لحدٍ
مفارق خلّه من بعد عهد
وأين حللت بعد حلول قلبي
وأحشائي وأضلاعي وكبدي
ثمَّ يرد على صحبه الذين تعجَّبوا كيف يقتلها ويبكيها وهو يقول:
ويعذلني السفيه على بكائي
كأنَّي مبتلى بالحزن وحدي
تقول قتلتها سفهاً وجهلاً
وتبكيها بكاءٌ ليس يُجدي
كصيَّاد الطيور له انتحاب
عليها وهو يذبحها بحد
ويأتيه الطبيب وهو يبكيها ويتذكَّر أيَّام شبابه معها وهو يقول:
جس الطبيب يدي جهلاً فقلت له
إنَّ المحبة في قلبي فخلِّ يدي
ويأتي “الطغرائي” في القرن الخامس فيجمع بين ثقافة العيب وثورة البوح، فهو من جانبٍ يرثي زوجته بقصائد تفيض شجناً وحزناً وصدقاً ووفاءً للزوجة، في حين يظل مرتهناً بقيود ستر اسم الزوجة، حتَّى بعد وفاتها، بل إنَّه يُناديها في معظم مراثيه ب “ستيرتي”، ولم لا يصدقُ في رثائه؟ وهو القائل:
أُعلِّلُ النَّفس بالآمال أرقُبها
ما أضيقَ العيش لولا فُسحةُ الأمل
وفي القرن الهجريِّ السَّابع يُسجِّلُ لنا “القاسم الضمدي” فجيعته في زوجته الشابة وهو يبكي بحُرقه ويقول:
أوسدك التراب وكنت أحفى
بخدك أن يباشر التراب
وأسمع للبلى بجمال وجه
يؤثر في محاسنه النقاب
فما فعل الثرى ويد الليالي
بجسم كان تؤلمه الثياب
وما فعل الصبا الغض الموافي
بزهرته وما فعل الشباب
وما فعلت محاجرك السواجي
وما فعلت ثناياك العِذاب؟
ويقول وهو يصف يوم رحيلها:
بنفسي عصر يوم السبت نعش
تهاداه المناكب والرقاب
تكفن بالثياب وليت جلدي
لها كفن وليت دمي خضاب
جس الطبيب يدي جهلاً فقلت له إنَّ المحبة في قلبي فخلِّ يدي