
ترجمة عربية/ الصحافة الكندية/ مصطفى قنديل
أوتاوا – رفع بنك كندا سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 2.5%، محذراً من أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة الأسعار على المستهلكين الكنديين، وهو ما قد يستدعي رفع أسعار الفائدة بشكل أكبر.
وفي تصريح للصحفيين يوم 28 أكتوبر، قال محافظ بنك كندا، تيف ماكليم: “لقد تدهورت توقعات التضخم. فمع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار النفط العالمية، ومن المتوقع أن تظل مرتفعة لفترة أطول”.
وأوضح ماكليم أن البنك قرر رفع أسعار الفائدة نظراً لاستمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يُتوقع أن ينعكس على أسعار السلع بشكل عام. وفي الوقت ذاته، أشار إلى أن توقعات النمو في كندا تحسنت “بشكل طفيف”، على الرغم من التعريفات الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة. ولفت البنك إلى أن النمو جاء مدفوعاً جزئياً بزيادة النشاط في قطاع النفط والغاز، وبصمود إنفاق المستهلكين رغم تباطؤ نمو السكان.
وأضاف ماكليم: “في ظل توقعات باستمرار التضخم المرتفع لفترة أطول، ومع إظهار الاقتصاد مرونةً في الأداء، رأى مجلس المحافظين أن المخاطر المحيطة بالتضخم قد زادت، وأن مساحة التيسير النقدي أصبحت أقل”، مشيراً إلى احتمالية الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة بشكل أكبر. ويُعد قرار البنك هذا أول عملية رفع لأسعار الفائدة منذ يوليو 2023؛ حيث اضطر البنك حينها أيضاً إلى رفع الفائدة نتيجة ارتفاع الأسعار عالمياً، الناجم عن إنهاء قيود جائحة كوفيد-19 ونقص الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية. ذكر البنك أن استمرار الحرب في أوكرانيا، إلى جانب التوتر بين الولايات المتحدة وإيران والصراع بين المتمردين الحوثيين والمملكة العربية السعودية، قد فرض ضغوطاً على أسعار الطاقة العالمية طوال عام 2026.
وأشار البنك إلى أنه لا يوجد حالياً “مسار واضح للتوصل إلى حل” في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؛ وهو ما دفع طهران إلى تقليص عدد ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز على مدى الأشهر الثمانية الماضية تقريباً. ويتوقع البنك أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى وصول معدل التضخم في عام 2027 إلى 3 في المئة في المتوسط، مقارنة بتوقعاته السابقة في يوليو التي كانت تشير إلى نسبة 2 في المئة فقط لذلك العام.
قال ماكليم إن البنك يتوقع أن يرتفع مؤشر أسعار المستهلك -الذي بلغ 3.1% في سبتمبر- ليصل إلى 3.5% بحلول نهاية عام 2026. وأشار إلى أنه في حين تركز التضخم حتى الآن بشكل رئيسي على أسعار البنزين والديزل وزيت التدفئة، فقد شهدت الشركات ارتفاعاً في تكاليفها، ومن المرجح أن تنقل هذه التكاليف إلى المستهلكين خلال العام المقبل.
وفي الوقت ذاته، أوضح ماكليم أنه مع توقع تحسن الاقتصاد الكندي، ستتضاءل الضغوط الهبوطية التي كانت تعمل على “موازنة ضغوط التكلفة هذه”. وعلى الرغم من فرض الولايات المتحدة مجموعة واسعة من التعريفات الجمركية على كندا -بما في ذلك تعريفات بنسبة 50% مؤخراً على سلع كندية بقيمة 27.6 مليار دولار- إلا أن ماكليم أكد أن النمو جاء “أفضل من المتوقع”.
وذكر البنك أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 3.3% في الربع الثاني من عام 2026، ومن المتوقع أن ينمو بنحو 2% في الربع الثالث، قبل أن يتباطأ في الربع الرابع. وأشار البنك إلى أن إنفاق المستهلكين ظل قوياً رغم تباطؤ نمو السكان، كما تعززت الصادرات، وشهدت استثمارات الشركات تعافياً مدفوعةً بتزايد النشاط في قطاع النفط والغاز والإنفاق على الآلات والمعدات.
وعلى الرغم من استقرار النشاط الاقتصادي في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، أشار البنك إلى أن الظروف المالية العالمية قد “شهدت تشديداً” منذ يوليو، وذلك نتيجة لارتفاع عوائد السندات، وتقلبات أسواق الأسهم والائتمان الناجمة عن حالة عدم اليقين المحيطة بنمو قطاع الذكاء الاصطناعي.
وأوضح ماكليم أن هناك تساؤلات لا تزال قائمة حول تأثير التعريفات الجمركية الأمريكية على كندا، ومدى انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى أسعار المستهلك بشكل أوسع. وأكد أن البنك “سيتوخى الحذر” في سياسته المتعلقة بأسعار الفائدة، نظراً لحالة عدم اليقين السائدة. ومن المقرر أن يعلن البنك عن قراره القادم بشأن أسعار الفائدة في 9 ديسمبر.
تقرير السياسة النقدية
أشار تقرير السياسة النقدية الصادر عن البنك في أكتوبر إلى توقعات ببقاء التضخم عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مقارنة بتقرير يوليو. ومع ذلك، يظل نطاق هذا الارتفاع غير واضح، في ظل “تطور الأوضاع بسرعة في الشرق الأوسط، وعدم اليقين بشأن مدى سرعة وكامل انتقال التكاليف المرتفعة إلى أسعار المستهلك”. يشير التقرير إلى أن انعكاس التكاليف على المستهلكين لم يظهر حتى الآن إلا في أسعار الوقود والخدمات المرتبطة بالسفر، في حين سيستغرق انتقال هذه التكاليف إلى أسعار السلع الاستهلاكية وقتاً أطول. وقد ذكر نحو 60 في المئة من الشركات التي تتعامل مباشرة مع المستهلكين -والتي شملها استطلاع أجراه البنك- أنها تتوقع تحميل التكاليف الإضافية على المستهلكين الكنديين خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، بينما أبدى 40 في المئة من إجمالي الشركات التي شملها الاستطلاع التوقع ذاته.
ذكر البنك أنه من المتوقع أن يظل تضخم أسعار الغذاء أعلى من معدل التضخم العام طوال عامي 2026 و2027؛ وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والواردات التي تنتقل عبر سلاسل التوريد، بالإضافة إلى “تراجع توقعات المحاصيل الزراعية في العديد من البلدان”.
وأشار التقرير إلى أن الجزء الأكبر من التجارة بين كندا والولايات المتحدة لا يزال معفى من الرسوم الجمركية بموجب “اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا”، إلا أن متوسط معدلات الرسوم الجمركية بين البلدين قد ارتفع منذ شهر يوليو. فقد بلغ متوسط الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات من كندا 7.5%، مقارنة بـ 5% في يوليو، في حين بلغ متوسط الرسوم الجمركية الكندية على الواردات من الولايات المتحدة 3.9%، مقارنة بـ 1.5% قبل ثلاثة أشهر.
كما أوضح التقرير تحسن التوقعات بشأن النمو الاقتصادي في كندا مقارنة بتقرير شهر يوليو؛ إذ يُتوقع الآن تحقيق نمو بنسبة 1% في عام 2026 و2% في عام 2027، بعد أن كانت توقعات يوليو تشير إلى نمو بنسبة 0.7% في عام 2026 و1.8% في عام 2027. ويعكس هذا التحسن قوة الأداء الاقتصادي في منتصف عام 2026، إلى جانب توقعات بزيادة استثمارات الشركات والإنفاق الاستهلاكي في العام المقبل.
ووفقاً للتقرير، تظل العلاقة التجارية بين كندا والولايات المتحدة وأسعار الطاقة العالمية أهم عاملين يمثلان مخاطر على مسار التضخم في كندا. ويفترض النموذج الاقتصادي للبنك أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز ستعود تدريجياً إلى طبيعتها، لكنه حذر من أن حدوث المزيد من الاضطرابات في سلاسل التوريد قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم.
كما يفترض نموذج البنك بقاء الرسوم الجمركية الأمريكية قائمة، مع تراجع تدريجي في تأثير حالة عدم اليقين التجاري على الاقتصاد الكندي. ويشير التقرير إلى أن فرض المزيد من الرسوم الجمركية الأمريكية قد يؤدي إلى إضعاف الصادرات الكندية واستثمارات الشركات، مما سيؤدي بدوره إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.